في أزقة مصر الشعبية، ما زالت الذكريات تعود مع اقتراب المولد النبوي الشريف.. أصوات الباعة، رائحة الحمصية والسمسمية، وصوت الأب وهو ينادي على ابنته الصغيرة ممسكًا بيدها عروسة من "الحلوى" تتلألأ بألوان زاهية، تلك اللحظة لم تكن مجرد هدية، بل طقس اجتماعي ظل عالقًا في وجدان المصريين عبر مئات السنين، لتصبح "عروسة المولد" أيقونة لا ينطفئ بريقها مهما تغير الزمن.

*حكاية العروسة
في هذا السياق، تحدثت مصممة العرائس دعاء لاشين وتقول إنها قبل أن تلتحق بعالم تصميم العرائس وبالأخص "عرائس المولد" أطلعت على تاريخ تطور تلك العروسة حيث يرجع المؤرخون بداية ظهور العروسة إلى العصر الفاطمي، فقد حرص الحكام على إدخال مظاهر البهجة في الاحتفال بالمولد النبوي.
وتروي بعض الروايات أن الخليفة الفاطمي خرج في موكب ضخم يوم المولد برفقة زوجته، فاستلهم منها فكرة صناع الحلوى وصنعوا تمثالًا سكريًا يمثلها، ليصبح عادة تتوارثها الأجيال.

لم تأت العروسة من فراغ، فهي ترمز إلى الجمال والأنوثة والفرحة بالحياة الجديدة، أما الحصان السكري، فكان هدية للأولاد ليعكس معاني القوة والشجاعة، ومع مرور الوقت، صار شراء العروسة والحصان تقليدًا لا يفارق الاحتفال، حيث تكتمل فرحة الأطفال بامتلاك رمزهم الخاص في هذه المناسبة.

رحلة التطور عبر الزمن
من القوالب الخشبية القديمة التي تُشكل العروسة من السكر، إلى العرائس البلاستيكية المبهجة ذات الفساتين المطرزة والريش الملون، مرت عروسة المولد بمراحل عديدة ورغم أن البعض يرى أن الشكل الحديث أفقدها نكهتها الأصلية، إلا أن وجودها بحد ذاته يؤكد قدرة التراث على التجدد والتكيف مع أذواق العصر، حسبما أكدت دعاء لاشين.

ظهرت العروسة أول مرة على هيئة قوالب سكرية تصب داخل قوالب خشبية محفورة يدويًا، وأوضحت دعاء أن الحرفيون كانوا يغلون السكر ويضيفون له ماء الورد والليمون ثم يسكبونه في القالب ليخرج على شكل عروسة أو حصان، هذه المرحلة ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالاحتفال الرسمي للمولد النبوي.

مع مرور الوقت، أضاف الصناع ألوانًا طبيعية وزينة بسيطة مثل ورق ملون وقطع قماش صغيرة لتزيين العروسة، والفتيات كن ينتظرنها بشغف، وكان منظرها يملأ الأسواق بألوان مبهجة تعكس روح الاحتفال.

*بريق الورق والريش
دخلت الخامات الحديثة في الصناعة، فأصبح يتم تزيين العروسة السكرية بـ ورق الكريشة الملون والريش والساتان، وأصبح منظرها أكثر إشراقًا، وتحولت من مجرد قطعة حلوى إلى هدية وديكور شعبي في بيوت المصريين.

ومع زيادة الوعي الصحي وخطورة الإفراط في تناول السكر، بدأت الأسواق تستقبل عرائس بلاستيكية ترتدي فساتين مطرزة وملونة، هذه النقلة جعلت العروسة أكثر عملية، إذ يمكن للطفلة الاحتفاظ بها لسنوات بدلًا من أن تذوب العروسة السكرية في أيام قليلة.

اليوم، تتنوع أشكال العروسة بين البلاستيك والفوم والعرائس المزينة بالخرز والتل والفصوص اللامعة، بعضها يحمل طابعًا تراثيًا يحاكي الشكل القديم، والبعض الآخر يميل إلى الحداثة ليواكب ذوق الأجيال الجديدة.

* بين فستان الزفاف والابتكارات اليدوية
وفي سياق تطور صناعة عروسة المولد النبوي، لا يقتصر الأمر على المنتجات الجاهزة المنتشرة في الأسواق، بل يبدع بعض المصممين في تصميم العروسة يدويًا بخامات مختلفة تعكس لمسة فنية خاصة.
وتقول دعاء لاشين إحدى المصممات اللاتي يحرصن على تقديم جديد كل عام: "اللون الأبيض يسيطر على عرائس المولد هذا العام، لأنه الأقرب لذوق الفتيات، خاصة أن كثيرًا منها يُقدم كهدايا في فترة الخطوبة، فتبدو العروسة أشبه بعروس حقيقية في ليلة زفافها."

وتضيف دعاء أن ملابس العروسة تُصمم من التل الأبيض لتشبه فستان الزفاف، والجديد هذا العام هو طباعة صور العروسين أو أي صورة شخصية على فستان العروسة باستخدام ستان تركي عالي الجودة، وهي فكرة لاقت إقبالًا واستحسانًا كبيرًا من الجمهور، لتميزها عن الشكل التقليدي المتعارف عليه.
ولم تقتصر الابتكارات على الفستان فحسب، بل امتدت إلى تفاصيل أخرى، حيث صممت طرحة العروسة من التل المطرز على غرار الطرحة الحقيقية، بل وابتكرت لها إكسسوارات يدوية الصنع تضفي عليها مظهرًا أكثر واقعية.
أما الشعر، فخرج عن النمط المعتاد للعروسة البلاستيكية، إذ حرصت على تصميمه كـ باروكة أشبه بالشعر الطبيعي، تتنوع بين الشعر المفرود والكرلي لتناسب الأذواق المختلفة.

*بين التراث والصحة
رغم البهجة التي تجلبها العروسة السكرية "الحلاوة"، إلا أن خبراء التغذية يحذرون من الإفراط في تناولها، وفي هذا السياق يقول الدكتور مصطفى البحيري، استشاري التغذية لـ"دار المعارف": " عروسة المولد قد تحمل فرحة للأطفال، لكنها في الحقيقة قنبلة موقوتة قد تسبب تسوس الأسنان وزيادة الوزن، لاسيما أن العروسة الحلاوة تحتوي على ألوان صناعية وقد تتعرض للتلوث أيضا، ومن الأفضل أن تُحفظ "عروسة المولد" كرمز للذكرى، واستبدالها بالعرائس البلاستيكية والتي تضفي البهجة بدون أضرار وتحافظ على التراث أيضا".
رغم مرور القرون وتغير الأجيال، تظل عروسة المولد النبوي شاهدًا حيًا على التراث المصري وطقوس الاحتفال بالمولد، فهي ليست مجرد حلوى أو لعبة، بل رمز يحمل في تفاصيله مزيجًا من الفرح والبركة والذاكرة الجماعية، ومع كل موسم يعود معها عبق الماضي، ليثبت أن هذا التقليد الشعبي ما زال حاضرًا بقوة، يربط الحاضر بالماضي ويمنح الأطفال والكبار لحظة بهجة لا تُنسى.