في زمن تتسارع فيه العلاقات الاجتماعية عبر التطبيقات والشبكات، تكشف دراسة حديثة نشرتها منصة Vox عام 2025 عن مفارقة صادمة: رغم سهولة التواصل الافتراضي، فإن نسبة كبيرة من الرجال العازبين تحت سن الثلاثين يعيشون عزلة عاطفية حادة. فبينما أظهرت الإحصاءات أن 63% منهم غير مرتبطين مقابل 34% فقط من النساء، تبرز أزمة أعمق مرتبطة بالنماذج التقليدية للرجولة التي تكبل قدرتهم على التعبير والانفتاح، ما ينعكس على صحتهم النفسية وجودة حياتهم.
الدراسة سلطت الضوء على ما يمكن وصفه بـ"الفجوة العاطفية" بين الرجال والنساء. فعلى الرغم من أن أغلب الرجال المشاركين أبدوا رغبة واضحة في الارتباط بعلاقات مستقرة، إلا أن أنماط التنشئة الاجتماعية، القائمة على اعتبار الانفتاح العاطفي ضعفًا، جعلتهم أقل قدرة على بناء صداقات متينة أو الدخول في شراكات عاطفية صحية. هذه المعادلة قادت كثيرًا منهم إلى دائرة من الوحدة والدونية، تتغذى من غياب الدعم النفسي والاجتماعي.
الأطباء النفسيون الذين علقوا على الدراسة أكدوا أن المشكلة لا تتعلق بعدم رغبة الرجال في العلاقات، بل بغياب الأدوات النفسية والاجتماعية التي تمكنهم من خوضها. فالنموذج الذكوري السائد يعزز "الصلابة العاطفية"، ويمنع الرجل من البوح بمشاعره أو طلب المساعدة. هذا الوضع لا يضاعف فقط من شعور العزلة، بل يزيد كذلك من مخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات المزاج.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، توصي الدراسة بضرورة إعادة تعريف مفهوم الرجولة ليشمل القدرة على التعبير عن المشاعر والمشاركة العاطفية، بدلاً من قمعها. كما تدعو إلى تعزيز ثقافة العلاقات المتينة القائمة على الصراحة والتواصل، وتشجيع الرجال على بناء صداقات داعمة بعيدًا عن الصورة النمطية التي تحصرهم في أدوار جامدة.
ويرى خبراء العلاقات أن التغيير لن يتحقق فقط عبر حملات التوعية، بل يحتاج إلى جهود مشتركة تبدأ من الأسرة، مرورًا بالمؤسسات التعليمية، وصولًا إلى منصات الإعلام التي ترسخ الصور الذكورية التقليدية. فإعادة صياغة صورة الرجل بوصفه إنسانًا قادرًا على الحب والعطاء والاعتراف بالضعف قد تكون المفتاح لكسر دائرة العزلة وتحقيق توازن صحي في حياته.