في عصر تتصدر فيه الشاشات تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد انشغال الآباء بالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية مجرد عادة عابرة، بل تحول إلى عامل مؤثر على صحة وتطور أطفالهم. دراسة حديثة أجرتها جامعة وولونجونغ الأسترالية عام 2025، حللت بيانات أكثر من 15 ألف طفل من 10 دول مختلفة، لتكشف أن استخدام الآباء للتكنولوجيا أثناء وجودهم مع أطفالهم يرتبط بانخفاض في قدراتهم المعرفية والسلوكية، إلى جانب زيادة فترات تعرض الأطفال للشاشات.
اعتمدت الدراسة على مراجعة منهجية وتحليل شمولي لـ21 دراسة سابقة تناولت سلوك الأطفال في سنواتهم الأولى (أقل من خمس سنوات). النتائج أوضحت أن اللحظات اليومية البسيطة، مثل وقت اللعب أو تناول الطعام، تتحول إلى محطات فارقة في تطور الطفل، لكن انشغال الوالدين بالهاتف يعطّل هذه التفاعلات الطبيعية. وبدلاً من أن يتلقى الطفل إشارات بصرية ولفظية تحفّز نمو دماغه، يواجه نوعًا من "الفراغ التواصلي" الذي ينعكس في ضعف الانتباه وتأخر المهارات الاجتماعية واللغوية.
الباحثون أشاروا إلى أن انقطاع التواصل المباشر يترك أثرًا يشبه "الإهمال غير المقصود"، حيث يشعر الطفل بعدم الأمان العاطفي، ما قد يزيد من معدلات القلق والسلوكيات السلبية لديه. كما أن رؤية الأطفال لآبائهم منغمسين في الشاشات تجعلهم أكثر ميلاً لتقليد هذا النمط، مما يضاعف وقت جلوسهم أمام الأجهزة ويؤثر على نمط نومهم ونشاطهم البدني.
الدراسة شددت على أن تحسين التفاعل الأسري لا يتطلب خطوات معقدة، بل يبدأ من إدراك الآباء لأهمية الانتباه الكامل في اللحظات الصغيرة: نظرة عين، ابتسامة، مشاركة في اللعب أو حديث على مائدة الطعام. هذه التفاصيل، بحسب الباحثين، هي اللبنات الأساسية التي تدعم الصحة النفسية وتنمّي القدرات المعرفية للأطفال في سنواتهم المبكرة.
وفي ضوء هذه النتائج، دعا الخبراء إلى تبني سياسات أسرية أكثر وعيًا، مثل تخصيص أوقات خالية من الهواتف، وتشجيع الأنشطة المشتركة بين الأهل والأطفال، باعتبارها وسيلة لتعويض ما تسلبه التكنولوجيا من دفء العلاقات الإنسانية