حين يشتد الحر، أو تجتاح ال فيضانات القرى والمدن، أو تلتهم الأعاصير المنازل والحقول، قد تبدو الكارثة عامة تطال الجميع، لكن الواقع يُظهر أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر. ف التغير المناخي ليس مجرد قضية بيئية، بل أزمة إنسانية تُعمّق أوجه عدم المساواة وتجعل النساء في الخطوط الأمامية للمخاطر، يدفعن الثمن مضاعفًا بسبب التمييز الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
يشهد كوكب الأرض تغيرات مناخية غير مسبوقة، من ارتفاع درجات الحرارة إلى الجفاف والفيضانات والأعاصير، وكلها تترك أثرًا عميقًا في حياة البشر. غير أن النساء والفتيات يتعرضن لتأثيرات أشد قسوة، حيث يتقاطع ضعف النفوذ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مع الكوارث الطبيعية، فيضاعف من حجم المعاناة.
في كارثة تسونامي آسيا عام 2004، على سبيل المثال، شكّلت النساء 70% من الضحايا، إذ كنّ محصورات داخل المنازل، بينما تمكن كثير من الرجال من النجاة لوجودهم في الخارج. وحتى في لحظات الهروب، تعيق المعايير الثقافية حركتهن؛ فالملابس التقليدية أو مسؤوليات رعاية الأطفال تمنعهن من التحرك السريع، وهو ما يعرضهن للخطر أكثر.
الجوع والفقر يتفاقمان
تؤكد التقديرات الدولية أن التغير المناخي قد يؤدي إلى 236 مليون امرأة وفتاة جائعة بحلول 2030، أي ضعف عدد الرجال المتأثرين. كما يُتوقع أن يدفع 158 مليون امرأة إضافية نحو الفقر بحلول 2050، وهو رقم يفوق نظيره لدى الرجال بـ 16 مليونًا. وحتى اليوم تواجه أكثر من 47 مليون امرأة انعدام الأمن الغذائي المباشر.
ورغم أن النساء يمثلن نحو 40% من القوى العاملة الزراعية في البلدان النامية، إلا أنهن لا يمتلكن سوى 10 إلى 20% فقط من الأراضي، ما يعكس فجوة هائلة في الحقوق الاقتصادية. القوانين في أكثر من 155 دولة حول العالم ما زالت تحد من فرصهن في الملكية والمشاركة الاقتصادية.
التعليم على المحك
تغير المناخ يضاعف المخاطر على تعليم الفتيات. ففي فترات الجفاف، تتحمل الفتيات مسؤولية جمع المياه والموارد، وهو ما قد يعرضهن للعنف ويؤدي إلى انقطاعهن عن المدرسة. أحيانًا تُجبر الأسر على تزويجهن مبكرًا للتخفيف من الأعباء الاقتصادية. أما في الكوارث الكبرى كالفيضانات والأعاصير، فإن إغلاق المدارس لفترات طويلة يقلل فرص عودتهن لاستكمال التعليم، وكلما طال الانقطاع تضاءلت احتمالية الرجوع.
الصحة في مواجهة الخطر
تُظهر الدراسات أن ارتفاع درجات الحرارة في مواسم الحمل قد يزيد خطر وفاة الأجنة بنسبة 6%. كما يؤدي التغير المناخي إلى توسيع نطاق الأمراض المنقولة مثل الملاريا وحمى الضنك وزيكا، وكلها أمراض ترتبط بمضاعفات الحمل والولادة مثل الإجهاض وفقر الدم والتشوهات الخلقية.
وفي الأزمات، غالبًا ما تُعطّل خدمات الصحة الإنجابية، كما حدث خلال جائحة كورونا، حين فقدت نساء كثيرات، خصوصًا النازحات، إمكانية الوصول إلى وسائل منع الحمل، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الحمل غير المخطط له وزيادة الأمراض المنقولة جنسيًا.
العنف يتصاعد مع الكوارث
لا يقتصر الأمر على الخسائر المادية والصحية. ف التغير المناخي يُفاقم أيضًا العنف القائم على النوع الاجتماعي. يشير تقرير "سبوت لايت 2025" إلى أن جرائم قتل النساء ارتفعت بنسبة 28% خلال موجات الحر، وأن حالة من بين كل عشر حالات عنف في المجتمعات غير المتساوية قد ترتبط مباشرة بتأثيرات المناخ بنهاية القرن. كما أن الفقر والنزاعات التي تلي الكوارث تدفع إلى مزيد من العنف الجنسي، وزواج الأطفال، وحتى الاتجار بالبشر.
التغير المناخي ليس محايدًا. فهو يضاعف أوجه عدم المساواة ويجعل النساء في مواجهة مباشرة مع أزمات الفقر والجوع والعنف وفقدان التعليم والصحة. ومع استمرار هذه التحولات، تبقى النساء الأكثر هشاشة والأكثر معاناة، ما يجعل قصصهن بمثابة إنذار صريح للعالم بأن مواجهة المناخ لا يمكن أن تنجح من دون مواجهة جذور التمييز والظلم الاجتماعي.