«تقليب المواجع» في ذكرى تأسيس كلية الإعلام .. !

«تقليب المواجع» في ذكرى تأسيس كلية الإعلام .. !محسن حسنين

الرأى14-9-2025 | 15:01

أرجو من قرائى المحترمين أن يتحملونى اليوم ككاتب «شاب» تعدى السبعين ربيعا؛ قرر أن يتمرد على الأسلوب الساخر ؛ الذى اعتاد على الكتابة به على مدى نصف قرن كامل.

فالقضية التى أتناولها اليوم قضية جد لا تحتمل أى هزل.. هى قضية الفوضى الإعلامية السائدة الآن فى مصر المحروسة؛ وتصدر غير المؤهلين للمشهد، حتى إن رجل الشارع البسيط خفيف الظل ابن النكتة أطلق عليهم لقب «المطبلاتية»؛ أى الذين لا يقدمون أى محتوى يفيد الوطن والمواطن؛ ومن قبلهما ومن بعدهما متخذ القرار..!

أما العبد لله فقد اعتاد فى كتاباته على وصفهم بإنهم «إعلام ما قال لى وقلت له ياعوازل فلفلوا»..!!

السبب فى إثارتى لهذه القضية الخطيرة اليوم هو مرور نصف قرن على تخرج أول دفعة من كلية إعلام القاهرة؛ والتى يطلقون عليها «دفعة الأساتذة»..

ولا أخفيكم سرًا فقد أدت هذه الذكرى التاريخية إلى «تقليب المواجع» داخلى.. حيث وجدت نفسى دون أن أدرى، أقارن بين أهداف الفكرة النبيلة لإنشاء كلية الإعلام، وبين ما آلت إليه الحالة الإعلامية الراهنة؛ والتى قد تسر عدوا لكنها أبدًا لا تسر حبيبًا مخلصًا عاشقًا لتراب هذا البلد.

فقد كان الهدف الأساسى من إنشاء الكلية هو تأهيل كوادر إعلامية علميًا وعمليًا، تساهم فى تشكيل وعى ووجدان المواطن.. وتأسيس وترسيخ قواعد إعلام يبنى ولا يهدم.. يجمع ولا يفرق.. بعيدًا عن إعلام الإثارة والفهلوة وفرش الملاية.. والذى عاد بقوة، للأسف، مرة أخرى هذه الأيام..!

وكأن كل ما حاولت الدولة بناءه فى سنين أضاعه إعلام التطبيل فى غفلة من الزمن..!!

وخطورة ما يحدث من فوضى إعلامية الآن هو ضياع العديد من الفرص البديلة التى كان يجب أن يقوم بها الإعلام الهادف الجاد بدوره المطلوب فى هذه المرحلة الخطيرة من حياتنا؛ ونحن نواجه بالفعل تحديات تهدد أمن وأمان الوطن والمواطن؛ وفى مقدمتها حروب الجيل الرابع والخامس التى تستهدف العقول، وتستخدم الإعلام كسلاح لزعزعة الأمن والاستقرار وتحطيم ثقة المواطنين فى مؤسسات الدولة.

ولا أدرى إن كان اختيار توقيت تأسيس الكلية فى بداية السبعينيات مقصودًا أم مجرد صدفة؛ لكنه على أى الأحوال جاء فى فترة مهمة من تاريخ مصر، كانت فيه الدولة تسخر كل طاقاتها وإمكاناتها استعدادًا لتحرير أرضنا المغتصبة من العدو الصهيونى..

وفى تقديرى أن مرور نصف قرن على إنشاء كلية إعلام القاهرة هو حدث تاريخى مهم بامتياز لعدة أسباب: أولها أن الكلية كانت ومازالت أحد أهم أركان القوى الناعمة لمصر.. كما أنها الكلية الأم لكل كليات الإعلام فى مصر والعالم العربى..

كما أن خريجيها ساهموا ومازالوا يساهمون حتى الآن فى صياغة وعى ووجدان الشعوب العربية؛ لمواجهة كل ما تتعرض له مصر والمنطقة والعالم من مخاطر وتهديدات.
تجربة «واحد» من الدفعة!

ويكفى للتدليل على مدى تأثير هذه الدفعة ودورها فى الارتقاء بمحتوى الصحافة العربية أن أتحدث عن تجربتى الشخصية كواحد من أبناء الدفعة.. بعد أن تعلمت أصول العمل الصحفى على يد أستاذى وأستاذ أساتذة الصحافة جلال الدين الحمامصى.

ففور تخرجى عملت بجريدة الجمهورية؛ حيث قمت مع مجموعة من أبناء الدفعة الأولى بعمل أول صفحة اقتصادية يومية فى تاريخ الصحافة المصرية؛ بدعم من أستاذى الكاتب الكبير محسن محمد رحمه الله..

وبعدها بثلاث سنوات كررت التجربة عندما عملت فى جريدة «اليوم» بالدمام؛ فأسست هناك أول صفحة اقتصادية يومية فى تاريخ الصحافة السعودية..

وكانت كل الصحف السعودية - آنذاك - تكتفى بتخصيص صفحة أو صفحتين أسبوعيًا فقط لتغطية النشاط الاقتصادى السعودى رغم ضخامته؛ ورغم تأثيره الواسع على الاقتصاد العالمى..
وقد شجعنى على ذلك رئيس التحرير – آنذاك - الكاتب السعودى الكبير الأستاذ عثمان العمير..

وكررت التجربة مرة أخرى بعدها بعشر سنوات عندما عملت بجريدة «الشرق» بالدوحة؛ حيث أسست هناك أول صفحة اقتصادية يومية فى تاريخ الصحافة القطرية؛ وذلك بتشجيع من أستاذى الكاتب القطرى الكبير ناصر العثمان؛ الذى وافق على الفكرة بمجرد أن طرحتها عليه.

معارك فى معارك

وقد سجلت كل ذلك فى كتابى الأول «أسرار 50 سنة صحافة».. وأضفت عليه كل المعارك الصحفية التى خضتها فى السياسة والاقتصاد على مدى نصف قرن.. ومنها، على سبيل المثال، معركتى ضد جماعة الإخوان المسلمين فى عز قوتهم؛ عندما كانوا يهيمنون على مفاصل الدولة.

وهو ما دفع الجماعة إلى عزلى من منصبى كرئيس تحرير لمجلة أكتوبر؛ رغم كونى أول رئيس تحرير منتخب فى تاريخ الصحافة المصرية..

بالإضافة لحملتى الصحفية ضد منظمات المجتمع المدنى الأمريكى؛ والتى كانت تعمل دون ترخيص وتعيث فسادًا فى مصر؛ وتمول جماعات إثارة الفوضى
فى الشارع المصرى..

مما دفع الخارجية الأمريكية وقتها إلى التنديد بالحملة؛ معتبرة أن مقالاتى تهدد علاقات الصداقة والتعاون التاريخية مع مصر.. ومؤكدة أن وصفى للسفيرة الأمريكية بالقاهرة بـ «سفيرة جهنم التى تشعل النار فى التحرير»؛ هو وصف غير لائق لأهم وأنشط دبلوماسية أمريكية..!

هذه نبذة صغيرة جدًا عن الدور الذى قام به واحد فقط من أبناء أول دفعة من كلية الإعلام لتطويرالمحتوى الصحفى.. ومواجهة المخططات التى استهدفت ومازالت تستهدف أمننا القومى.

وهو بالمناسبة نفس الدور الذى قام به الكثيرون من أبناء الدفعة فى الإعلام المرئى والمسموع والمكتوب فى العديد من الدول العربية من المحيط للخليج.

لذلك كله لا أبالغ إن قلت إن هذه الذكرى التاريخية.. مرور نصف قرن على تخريج أول دفعة من كلية الإعلام.. هى فرصة ذهبية أمام الأكاديميين وقادة الرأى، وفى القلب منهم أبناء الكلية، لمواجهة

الفوضى فى الساحة الإعلامية بصياغة خطاب إعلامى علمى متطور يضع قضايا الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
الكرة الآن فى ملعبهم فهل يفعلون..؟!

أتمنى ذلك..!

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان