لم يعد الأمان الرقمي رفاهية أو خيارًا إضافيًا في زمن الثورة التكنولوجية، بل أصبح ضرورة لحماية الأفراد والمجتمعات من مخاطر تتزايد يومًا بعد يوم. فبينما منحتنا التكنولوجيا الرقمية فرصًا هائلة للتواصل والمعرفة، كشفت في المقابل عن جانب مظلم تمثل في العنف الرقمي، الذي طالت تبعاته شريحة واسعة من النساء بشكل خاص، وأصبح واقعًا مؤلمًا يفرض على الجميع التعامل معه بجدية.
تشير بعض الدراسات إلى أن ما بين 16% إلى 58% من النساء تعرضن للعنف الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذه الأرقام المقلقة تكشف حجم المشكلة وتعكس خطورة الظاهرة التي لم تعد مجرد تهديد افتراضي، بل امتدت لتؤثر على الصحة النفسية والاجتماعية للضحايا.
ومن أبرز صور العنف الرقمي:
المضايقات والمطاردات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، والتي قد تتطور أحيانًا إلى جرائم تحرش.
استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنشاء صور مزيفة بغرض التهديد أو الابتزاز.
التنمر الإلكتروني عبر نشر الإشاعات وتشويه السمعة.
الابتزاز الإلكتروني باستخدام معلومات شخصية حقيقية أو مفبركة لطلب مبالغ مالية أو فرض سيطرة نفسية على الضحية.
هذه الممارسات الإجرامية تعكس هشاشة المساحات الرقمية في غياب الوعي والرقابة، وتجعل من تحقيق الأمان الرقمي أولوية قصوى.
ما هو الأمان الرقمي وكيف نحققه؟
الأمان الرقمي يعني ببساطة حماية الحسابات والمعلومات والأجهزة من أي تهديدات أو اختراقات إلكترونية، ويمكن تحقيقه عبر خطوات أساسية منها:
اختيار كلمات مرور قوية ومعقدة.
تفعيل المصادقة الثنائية (Two Factor Authentication) لإضافة طبقة حماية إضافية.
تجنب الضغط على روابط أو ملفات مجهولة المصدر.
تأمين شبكة الواي فاي الخاصة، وتفادي استخدام الشبكات العامة غير الآمنة.
الاعتماد على برامج موثوقة لمكافحة الفيروسات والاختراقات.
لكن الجانب الأهم هو التعامل مع المجرمين الإلكترونيين بعدم الرضوخ لتهديداتهم، والإبلاغ عنهم فورًا، مع طلب الدعم من الأهل والأصدقاء، إذ يعتمد هؤلاء على عزل الضحايا وإشعارهم بالعجز كمدخل لتنفيذ جرائمهم.
يقول د. أحمد سمير، خبير أمن المعلومات، إن الأمان الرقمي لم يعد مجرد حماية تقنية، بل أصبح ثقافة يجب نشرها بين جميع فئات المجتمع. ويضيف: " التكنولوجيا لا يمكن أن تكون آمنة مائة بالمائة، لكن وعي المستخدم وسلوكه الواعي هو خط الدفاع الأول ضد الجرائم الرقمية. وهنا تبرز أهمية التكاتف المجتمعي، من خلال نشر الوعي، وتشجيع الضحايا على المواجهة وعدم الاستسلام للابتزاز."
مواجهة العنف الرقمي ليست مسؤولية فردية فحسب، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المجتمع ومؤسساته. نشر الوعي، تعزيز ثقافة الأمان الرقمي، والتصدي للمجرمين الإلكترونيين بوعي وتكاتف، هي الخطوات الحقيقية نحو فضاء رقمي أكثر أمنًا وعدالة.