لم تعد الحماية الاجتماعية مجرد مصطلح إداري أو برنامج وقتي، بل هي حجر أساس في منظومة العدالة الاجتماعية التي تسعى الدولة المصرية لترسيخها منذ ثورة 30 يونيو، حيث وضعت القيادة السياسية المواطن في قلب سياساتها، وأكدت على أن الكرامة الإنسانية لا تكتمل إلا بتوفير شبكة حماية قوية تضمن له الحياة الكريمة،في هذا السياق، جاء قانون الضمان الاجتماعي الجديد رقم (12) لسنة 2025 ليترجم هذا التوجه، و ذلك بعد أن صدّق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليشكل نقلة نوعية في مسار برامج الدعم الاجتماعي .
وتقول د . مايا مرسي ، وزيرة التضامن الاجتماعي، أن القانون يهدف بالأساس إلى حماية منظومة الدعم النقدي بحيث لا تظل رهينة للقرارات و البرامج الوقتية، بل تتحول إلى التزام قانوني، موضحة أن كل فرد لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعي، له الحق فى الضمان الاجتماعي متى توافرت فيه شروط الاستحقاق المقررة، فالقانون يجعل من الحماية الاجتماعية حقًا لا منحة.
وأضافت أن القانون ينظم بوضوح الفئات المستحقة، وآليات صرف الدعم، وضوابط الجمع بين برامج «تكافل» المشروط و«كرامة» غير المشروط، بما يمنع الازدواجية ويحفظ موارد الدولة من الهدر، مشيرة إلى أن القانون لا يقتصر على صرف الدعم، بل يمنح أبناء الأسر الفقيرة إعفاءات كاملة من المصروفات الدراسية ورسوم الجامعات الحكومية، كما يكفل لهم الحصول على الأدوات التعويضية والمعينات التعليمية حال إصابتهم بالإعاقة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن، وأكدت أن هذا الصندوق يعكس رؤية الدولة فى استمرار تقديم الدعم وعدم ربطه بأزمات اقتصادية أو موازنات مرحلية، بل جعله التزامًا طويل المدى.
ولم يغفل القانون جانب الردع، حيث نصت المادة 43 منه على عقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وغرامة تتراوح بين ألفي وستة آلاف جنيه، أو بإحدى العقوبتين، لكل من حصل على الدعم دون وجه حق عن طريق تقديم بيانات مضللة، مع إلزامه برد المبالغ المصروفة، وتنقضي الدعوى إذا بادر المخالف برد الأموال مع تعويض يعادل نصف المبلغ. كما أن القانون الجديد لا يكتفي بحماية الفئات الأكثر احتياجًا فقط، بل يوازن بين الحق والمسئولية، حيث يشترط على القادرين من المستفيدين قبول فرص التوظيف أو التدريب التي توفرها لهم الدولة، وفي حال الرفض المتكرر دون عذر مقبول يتم وقف الدعم، باستثناء ذوي الإعاقة وكبار السن.
وشددت د. مايا مرسي على أن القانون يمثل التزامًا وطنيًا نحو تحقيق العدالة الاجتماعية و حياة كريمة لكل مواطن، فالضمان الاجتماعي ليس منحة أو مساعدة، بل حق قانوني يكفل كرامة المواطن ويعزز شعوره بالانتماء.
من جانبه، أوضح د. أحمد عبد الرحمن، رئيس الإدارة المركزية للحماية الاجتماعية، أن القانون يستند إلى ثلاث ركائز محورية هي:
الحماية المباشرة عبر تقديم الدعم النقدي للأسر والفئات الأولى بالرعاية مثل ذوي الإعاقة، المسنين، الأيتام، النساء غير المعيلات، المرضى بأمراض مزمنة.
الدمج الاجتماعي : من خلال توفير خدمات الصحة والتعليم والغذاء، وربط الدعم النقدي بهذه الخدمات لضمان استدامة الأثر الاجتماعي.
التمكين الاقتصادي: بإتاحة فرص العمل والتأهيل المهني، وتوفير قروض ميسرة ومشروعات متناهية الصغر، حتى تتحول الأسر من متلقية للدعم إلى أسر منتجة قادرة على الاعتماد على نفسها.
وأشار د. عبد الرحمن إلى أن القانون يشدد على تحديث بيانات الأسر المستفيدة سنويًا، للتأكد من استمرار الاستحقاق، ويضع آليات دقيقة للتحقق على ثلاثة مستويات (الوحدة، المديرية، الوزارة)، بما يضمن الشفافية والعدالة فى صرف الدعم.
وأوضح أن القانون الجديد أضاف تفاصيل دقيقة لضمان استحقاق الدعم ووصوله لمستحقيه منها:
المادة 10: صرف دعم «كرامة» للفئات الأضعف كالمسنين، ذوي الإعاقة، الأيتام، النساء غير المعيلات، وقدامى الفنانين والرياضيين ممن ينطبق عليهم الاستحقاق.
المادة 12: السماح بالجمع بين «تكافل» و»كرامة» بشروط محددة، بحيث لا يُحرم مستحق من الدعم طالما توافرت الشروط.
المادة 19: إلزام المستفيد بتحديث بياناته الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية سنويًا، لضمان استمرار الأهلية.
المادة 21: تمكين المستفيدين من الحصول على بطاقة تموين ودعم الخبز.
المادة 22: إعفاء أبناء الأسر الفقيرة من المصروفات الدراسية ورسوم الجامعات الحكومية.
المادة 33: وقف الدعم فى حالات التلاعب أو التحسن الاقتصادي أو ارتكاب جرائم مثل التسول، الاتجار بالبشر، ختان الإناث، الزواج المبكر، والتحرش.
كما نصت المواد (36و38) على تقديم مساعدات استثنائية فى حالات الزواج الأول، الوفاة، المرض الطارئ، والكوارث، مع توفير خدمات تدريب وتأهيل ودعم بالمشروعات الصغيرة للأسر. كما
خصص القانون بابًا كاملاً لإنشاء صندوق تكافل وكرامة كحساب مستقل داخل موازنة وزارة التضامن، بغرض تمويل برامج الضمان الاجتماعي، مع تحديد مصادره لضمان الاستدامة المالية.
وأشار د. أحمد عبد الرحمن إلى أن القانون يضع مصر فى مصاف الدول التي اعتمدت نظم حماية اجتماعية متقدمة، مضيفًا أن القانون الجديد ليس فقط حماية للفقراء، بل هو استثمار فى بناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.