لطالما ارتبط اكتئاب ما بعد الولادة بالنساء فقط، وكأن هذا الحدث الجسدي والنفسي يُعد شأنًا أنثويًا خالصًا؛ يخص جسد الأم، ومشاعرها، وآلامها، واضطراباتها. أما الأب، فغالبًا ما يُتوقع منه أن يظل متماسكًا، داعمًا، متفهّمًا، حاضرًا... حتى وإن كان داخله ينهار في صمت.
لكن الحقيقة مغايرة تمامًا؛ الرجل أيضًا قد يُصاب باكتئاب ما بعد الولادة، بل وقد يمرّ بحالة نفسية مشابهة لما يُعرف بـ"البيبي بلوز" — تلك التي اعتدنا ربطها بالأمهات، دون أن نلتفت إلى أن الأب يقف، هو الآخر، على حافة متاهة من القلق والتوتر والضغط النفسي، لكنه فقط لا يُفصح.
تؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO) والمراجع النفسية مثل DSM-5 أن ما بين 70 و80٪ من الأمهات الجدد يُعانين من "البيبي بلوز"، وهي حالة نفسية مؤقتة تبدأ في الأيام الأولى بعد الولادة، وتتسم بالحزن، تقلبات المزاج، والبكاء المفاجئ دون سبب واضح. وقد أصبحت هذه الحالة معروفة طبيًا ومفهومة اجتماعيًا، بل وتُمنح الأم أحيانًا دعماً نفسياً وأسرياً لتجاوزها، ويُطالَب المحيطون بها بالصبر والاحتواء.
لكن، ماذا عن الأب؟ من يلاحظ تغيراته النفسية؟ من يسمع اضطرابه الداخلي بعد مجيء الطفل؟
أجتمع خبراء علم النفس والاجتماع على أن الرجل لا يمر بتغيرات هرمونية مماثلة، لكن تقابله ضغوط لا تقلّ تأثيرًا: الانتقال المفاجئ من دور الزوج إلى دور الأب، تحمّل مسؤوليات جديدة، تغيّر في العلاقة الزوجية، اضطراب في النوم، عبء مالي متزايد، وشعور مباغت بالاغتراب داخل بيته. كلها عناصر تُشكّل بيئة مثالية لاكتئاب صامت، لا يُترجم بالدموع، بل بالانسحاب أو الغضب أو الإعياء النفسي المزمن.
ووفقًا لدراسة نُشرت في دورية Journal of Affective Disorders، فإن نحو 10% من الآباء الجدد يُصابون باكتئاب ما بعد الولادة، وهي نسبة تعكس وجود أزمة حقيقية غالبًا ما تمرّ دون تشخيص، رغم انعكاساتها الخطيرة على الأسرة بأكملها.
الرجل المكتئب لا يقول: "أنا مكتئب"، بل يبتعد، لا يضحك كالسابق، لا يتحدث كثيرًا، يرفض الدعم، ينهار من الداخل بينما يتظاهر بالقوة في الخارج.
وتشمل الأعراض: الحزن المستمر، اضطرابات النوم، الشعور بالذنب أو العجز، الانفصال العاطفي عن الشريك أو الطفل، وفقدان الحماسة تجاه الحياة. لكنها تمر مرور الكرام لأن "الأب لا يحق له أن يتعب".
وبحسب تحليل شامل أُجري على أكثر من 47 دراسة شملت 20,000 أب من مختلف دول العالم، تبين أن 8.4% من الآباء الجدد يعانون من الاكتئاب خلال السنة الأولى من حياة الطفل، وتصل النسبة إلى نحو 9% في الفترة ما بين 3 إلى 6 أشهر بعد الولادة.
وأكد CDC الأمريكي وهيئات الصحة البريطانية إلى أن النسبة تتراوح بين 8 إلى 10% في المجتمعات الغربية، وقد تصل إلى 5-10% وفقًا للمؤسسات الصحية، مع تضاعف الاحتمالات إذا كانت الأم بدورها تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة.
أما في مجتمعاتنا العربية، فما زالت هذه المسألة غائبة عن الخطاب الطبي والإعلامي. الحملات التوعوية تركّز – بحق – على دعم الأم، لكنها تُهمل الرجل، الذي يتحول فجأة من "شريك حياة" إلى "أب مُطالب بكل شيء"، دون تدريب، أو إعداد نفسي، أو حتى مساحة للاعتراف بإنسانيته.
والنتيجة؟ رجال يبتلعون ألمهم، وعلاقات أسرية تبدأ على وقع خيبة صامتة، لا يشعر بها أحد.
في رأيي، إنقاذ الرجل من اكتئاب ما بعد الولادة لا يبدأ بالإنكار، بل بالاعتراف. لا نحتاج إلى مزيد من الصمت، بل إلى مساحات حوارية يُسمح فيها للرجل أن يقول: "أنا خائف. أنا مرتبك. لا أعرف كيف أتعامل مع هذا الطفل. أشعر أني غريب في منزلي".
نحتاج إلى إعادة تعريف الأبوة، ليس كدور مسؤول فقط، بل كحالة إنسانية تتطلب التأهيل، الدعم، والمشاركة. نحتاج إلى دمج الرجال في برامج التحضير النفسي للولادة، إلى جلسات استشارية مشتركة، إلى حملات إعلامية تُخاطبهم دون تلميح بالإدانة أو التقصير، وتخبرهم أن الارتباك لا يُنقص من رجولتهم، بل يُجسّد إنسانيتهم.
ربما آن الأوان لنعترف بأن الأبوة، مثل الأمومة، لا تولد لحظة ولادة الطفل، بل تُبنى تدريجيًا من خلال الفهم، والدعم، والتجربة.
والحلول تبدأ من التحضير النفسي قبل الولادة لكلا الزوجين، وليس للأم وحدها.
ودمج مفاهيم الصحة النفسية في برامج الرعاية الأسرية.
مع إعلام يُنصف الطرفين، ويمنح الأب حقّ التعبير والضعف دون وصم.
في الختام...
لا أحد يُولد أبًا، ولا أحد يُولد قويًا بما يكفي ليتحمّل كل شيء بمفرده. فلنُخفف من سقف التوقعات المفروضة على الرجال، لأن "السند" أيضًا يحتاج من يسنده.
ولنتذكر دومًا: حين يحمل الأب طفله للمرة الأولى... قد يكون هو نفسه بحاجة إلى من يحمله نفسيًا في تلك اللحظة.