مهرجان كان السينمائي .. من حلم مؤجل إلى أسطورة عالمية

مهرجان كان السينمائي .. من حلم مؤجل إلى أسطورة عالميةمهرجان كان السينمائي

فنون20-9-2025 | 13:09

في صيف عام 1939، كانت مدينة كان الفرنسية تستعد لكتابة فصل جديد في تاريخ السينما العالمية. أُعلن عن انطلاق أول مهرجان سينمائي دولي من المقرر أن يُقام بين الأول والعشرين من سبتمبر في "الكازينو البلدي"، برئاسة فخرية لأسطورة السينما لويس لوميير، وقيادة تنظيمية للمسؤول الفرنسي جورج هوسمان.

الفكرة كانت واضحة: مهرجان عالمي يكرّس الحياد الفني ويمنح كل دولة حق اختيار أفلامها، بينما تمثل لجنة تحكيم دولية كل المشاركين. ورغم الدعوة المفتوحة حتى لألمانيا وإيطاليا، اختارت تسع دول فقط خوض التجربة، بينها عمالقة السينما في ذلك الوقت.

كل شيء كان جاهزًا: ملصق رسمي من توقيع الفنان جان جابرييل دوميرج، آلاف الدعوات، سفينة أميركية ضخمة رست في خليج كان تحمل نجوم هوليوود مثل جاري كوبر وماي ويست، وجمهور متحمس لولادة الحدث السينمائي الأهم. لكن التاريخ كان له رأي آخر...

حرب تطفئ الأضواء

في 23 أغسطس من العام نفسه، هزّ العالم خبر توقيع الحلف الألماني – السوفيتي. بدأ السياح بمغادرة المدينة، ورغم إصرار اللجنة على عرض فيلم "أحدب نوتردام" للمخرج ويليام ديترلي كأول فيلم رسمي، جاء اليوم الأول من سبتمبر ليعلن غزو ألمانيا لبولندا. وبعدها بيومين فقط، أعلنت الحرب العالمية الثانية.

تأجل الافتتاح عشرة أيام، لكن رياح الحرب أطاحت بالحلم. وبقيت قائمة أفلام 1939، وعلى رأسها "ساحر أوز" و"Union Pacific"، حبيسة الأدراج حتى عام 2002، حين مُنحت جائزة السعفة الذهبية بأثر رجعي لفيلم "Union Pacific" في احتفالية خاصة.

ولادة بعد الدمار

مرت سبع سنوات عجاف، حتى أُقيم المهرجان فعليًا لأول مرة في 20 سبتمبر 1946. كانت فرنسا خارجة من أهوال الحرب، لكن مدينة كان أصرّت على أن تضيء من جديد. افتتحت المغنية الأميركية غريس مور الحفل بأجواء احتفالية امتدت على مدى أسبوعين: ألعاب نارية، مسيرات، عروض أزياء، وكرنفال عالمي جعل المهرجان حدثًا غير مسبوق.

شارك 19 بلدًا في الدورة الأولى، ورغم أعطال تقنية ونقص التجهيزات، خرج الجميع بانطباع واحد: المهرجان وُلد ليبقى.

بين البريق والحرب الباردة

مع حلول الخمسينيات، أصبح السجادة الحمراء رمزًا عالميًا، حيث خطا فوقها عمالقة مثل صوفيا لورين، جريس كيلي، آلان ديلون وبابلو بيكاسو. لكن خلف الأضواء، كانت الحرب الباردة تلقي بظلالها. أُلغيت بعض الأفلام بسبب حساسيات سياسية، بل وتم إلغاء دورتي 1948 و1950 بسبب الأزمات المالية.

وفي 1955، كتب المهرجان فصلًا جديدًا بإطلاق جائزة "السعفة الذهبية"، التي أصبحت الحلم الأسمى لكل صانع أفلام.

ثورة السينما والاحتجاجات

في الستينيات، دخل المهرجان منعطفًا جريئًا مع وزير الثقافة الفرنسي أندريه مالرو، الذي فتح الباب لأعمال ثورية مثل "الضربات الأربعمائة" لفرنسوا تروفو و"هيروشيما حبي" لألان رينيه.

لكن المشهد الأكثر درامية كان في 1968، حين تحوّل المهرجان إلى ساحة احتجاج سياسي متزامنة مع انتفاضة الطلاب والعمال في فرنسا. توقفت العروض، وتدلى مخرجون كبار مثل غودار وتروفو على الستائر الحمراء لإغلاق الشاشة.

هوية جديدة وبزوغ أسطورة

بعد عاصفة 1968، تغيّر كل شيء. أضاف المنظمون أقسامًا جديدة مثل "أسبوع النقاد" و"نظرة ما"، ومنحوا مساحة أكبر للأفلام الأولى من خلال "الكاميرا الذهبية". وفي السبعينيات، ارتبط اسم المهرجان بأيقونات السينما العالمية: فرانسيس فورد كوبولا، روبرت دي نيرو، جيرارد ديبارديو، وداستن هوفمان.

اليوم، وبعد أكثر من 75 عامًا، لم يعد مهرجان كان مجرد حدث سينمائي، بل منصة دبلوماسية وثقافية وصناعية تُعيد تعريف السينما كل عام. من أحلام مؤجلة في 1939 إلى السجادة الحمراء التي ينتظرها العالم في مايو من كل عام، كتب كان قصته بنفسه: قصة مهرجان بدأ من رحم الحرب ليصير أسطورة السينما العالمية.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان