يوافق الأول من أكتوبر ذكرى ميلاد المطرب المصري بهاء سلطان، ذلك الصوت المختلف الذي شق طريقه في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وظل طوال مسيرته يمثل حالة غنائية استثنائية، تجمع بين صدق الأداء وقوة الإحساس وبساطة الكلمة واللحن. وعلى الرغم من غيابه لسنوات بسبب أزمات إنتاجية، فإن جمهوره لم يتخلَّ عنه، بل ظل ينتظره بشغف حتى عاد ليؤكد مكانته كأحد أبرز الأصوات الغنائية في مصر والعالم العربي.
البدايات.. من حدائق القبة إلى عالم النجومية
وُلد بهاء سلطان في الأول من أكتوبر عام 1972 بمنطقة حدائق القبة بالقاهرة. نشأ وسط أسرة بسيطة، لكنه كان يملك حلمًا كبيرًا، مدفوعًا بموهبة غنائية ظهرت مبكرًا. التحق بالشعبة العلمية في مرحلة الثانوية العامة، ثم واصل دراسته حتى حصل على بكالوريوس من كلية التربية الموسيقية، وهو ما أمدّه بأساس أكاديمي متين في الموسيقى والغناء.
اللقاء الحاسم في حياته جاء مع الشاعر والملحن مصطفى كامل، الذي آمن بصوته منذ اللحظة الأولى، وقرر أن يفتح أمامه أبواب الفن. وقدمه للمنتج الشهير نصر محروس، الذي سرعان ما أدرك حجم الموهبة التي يمتلكها الشاب القادم من القاهرة، فكان انطلاقه الأول من خلال أغنية "أحلف" ضمن ألبوم فري مكس 1 عام 1998. الأغنية حققت نجاحًا مدويًا وأثبتت أن هناك نجمًا جديدًا يولد في الساحة الغنائية.
صعود سريع وتألق متواصل
لم يكن النجاح وليد الصدفة، ففي عام 1999 قدّم بهاء أول ألبوم غنائي كامل بعنوان "ياللي ماشي"، لتتوالى بعدها الأعمال الناجحة مثل: 3 دقايق (2001)، قوم اقف (2003)، كان زمان (2006)، و ومالنا (2011). هذه الألبومات رسخت مكانته كصوت يعبر عن مشاعر الناس بصدق، بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض.
أغنياته كانت تحمل دومًا مزيجًا من الشجن والدفء، مثل "الواد قلبه بيوجعه"، و"علي بيحصلي"، و"كان زمان"، حتى بات صوته مرادفًا للحالة الرومانسية الصافية.
بهاء سلطان.. ظاهرة بحث وحب جماهيري
في عام 2011، احتل بهاء سلطان المركز الأول بين المطربين المصريين الأكثر بحثًا على محرك «جوجل»، وهو ما يعكس حجم الشعبية التي حصدها رغم قلة ظهوره الإعلامي واعتماده فقط على أعماله الفنية. جمهوره لم يكن مجرد مستمعين، بل عشاقًا وجدوا في صوته الصادق رفيقًا دائمًا للحظات الفرح والحزن.
محطة الخلاف.. تسع سنوات من الغياب
رغم النجاح الكبير، اصطدمت المسيرة بخلافات إنتاجية حادة مع المنتج نصر محروس، دخل بسببها بهاء سلطان في صراع قانوني وإداري طويل، أدى إلى غيابه عن الساحة الغنائية لما يقارب تسع سنوات، لكن الغياب لم يطفئ بريقه، بل زاد من تعلّق جمهوره به، حيث ظل صوته حاضرًا من خلال أعماله القديمة التي لم تفقد بريقها.
وفي ديسمبر 2021، تمت المصالحة المنتظرة، ليعود التعاون مجددًا بين الطرفين من خلال ألبوم "سيجارة"، الذي كان بمثابة عودة الروح لفنان افتقده الجمهور طويلًا.
العودة من جديد.. رسيني 2025
بعد عودته، واصل بهاء سلطان استعادة مكانته سريعًا، حتى طرح في أبريل 2025 ألبومه الجديد "رسيني" من إنتاج شركة روتانا، والذي ضم خمس أغنيات أعادت التأكيد على أنه صوت متجدد قادر على مجاراة تطورات الذوق الموسيقي، دون أن يفقد بصمته الخاصة.
التعاون مع الكبار
خلال مسيرته، تعاون بهاء مع نخبة من كبار الشعراء مثل: مصطفى كامل، بهاء الدين محمد، مجدي النجار، نادر عبد الله، مصطفى مرسي، خالد الشيباني، هاني عبد الكريم، ومحمد عاطف. كما لحن له عمالقة التلحين مثل: حسن أبو السعود، رياض الهمشري، حسين محمود، وليد سعد، محمد رحيم، وائل عقيد، وأحمد محيي. هذه الكوكبة من المبدعين صنعت مع بهاء سلطان تاريخًا غنائيًا ثريًا.
الأغاني الوطنية والدرامية
لم يقتصر صوت بهاء سلطان على الأغاني العاطفية فقط، بل شارك في أعمال وطنية ودينية ودرامية تركت بصمة مميزة، مثل أغنية "انتي الغالية يا بلادي"، وأغنية "عيونك" لصالح الحملة القومية لرعاية أمراض العيون.
كما قدم تترات مسلسلات شهيرة منها: سوق الخضار (2006)، دوران شبرا (2011)، الكيف (2016)، ولد الغلابة (2019)، وصولًا إلى مسلسل ولاد الشمس عام 2025.
حياته الأسرية
على الصعيد الشخصي، تزوج بهاء سلطان في نوفمبر 2013 من السيدة جيرمين مجدي، التي تصغره بخمسة عشر عامًا، ورُزق منها بتوأم هما كاندي وكادي في يناير 2015، ثم استقبل مولودته الثالثة آريا في أكتوبر 2023، ورغم أنه يفضل إبعاد حياته الخاصة عن الأضواء، فإنه دائم الحديث عن أسرته باعتبارها الداعم الحقيقي له في مسيرته الفنية.
صوت لن يتكرر
يصفه النقاد بأنه أحد أنقى الأصوات الغنائية في مصر، يمتاز بعذوبة ودفء يجعلان المستمع يشعر بأن الكلمات تخرج من القلب مباشرة. وربما لهذا السبب ظل بهاء سلطان حاضرًا في الوجدان رغم سنوات الغياب الطويلة، وظل اسمه مرتبطًا بالصدق الفني.
بهاء سلطان لم يكن مجرد مطرب عابر، بل ظاهرة فنية وجماهيرية استطاعت أن تفرض نفسها رغم قلة الإنتاج أحيانًا وكثرة العثرات. صوته سيظل شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية المصرية الحديثة، وحضوره سيبقى مصدر إلهام لكل فنان يؤمن أن الصدق هو أقصر طريق إلى قلوب الناس.