ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، فهناك معارك تُكتب فصولها بالصبر والإرادة. جيهان الأصيل، واحدة من "المحاربات الورديات"، تخوض منذ عشر سنوات رحلة قاسية مع سرطان الثدي، لكنها لم تكتفِ بالصمود لنفسها، بل جعلت من ألمها نافذة أمل لغيرها، وحولت التجربة الشخصية إلى مشروع حياة هدفه دعم المريضات وإعادة الثقة لهن.
بدأت حكاية جيهان عام 2015 حينما تلقت خبر إصابتها بسرطان الثدي، لتدخل بعدها في دوامة من العمليات الجراحية و العلاج الكيماوي والإشعاعي. لم يكن الطريق سهلاً، فالمرض عاد ليهاجمها ثلاث مرات خلال عشر سنوات، لكن ما يميزها أنها لم تترك المرض يكسر روحها.
في قاعات الانتظار بالمستشفى وبين جلسات العلاج ، لمست جيهان معاناة غيرها من المريضات، وشعرت أن الألم الجماعي بحاجة إلى من يخففه. فبشهادتها في الخدمة الاجتماعية وبإصرارها على التعلم، التحقت بدورات في الدعم النفسي، ثم أسست أول فريق دعم نفسي داخل المستشفى، لتزرع فكرة أن "الكلمة الطيبة والاحتواء جزء من العلاج".
لكن طموحها كان أكبر من جدران المستشفيات، فأسست عام 2020 "مؤسسة كانسر كير"، لتصبح أول مؤسسة مصرية متخصصة في الدعم النفسي والاجتماعي لمرضى السرطان. وضعت برامج تمس احتياجات المريضات: جلسات للدعم النفسي، توفير الثدي التعويضي بالمجان، دعم قانوني للمطلقات والمهجورات بسبب المرض، وتمكين اقتصادي يساعدهن على مواجهة الحياة بكرامة.
لم تتوقف جيهان عند ذلك، بل جعلت من حلمها قضية عامة. أطلقت مبادرة "المريض الخبير"، وحضرت مؤتمرات عالمية ممثلة لمصر، وحصلت مؤسستها على عضوية الاتحاد الدولي لمكافحة السرطان والتحالف العالمي لمرضى السرطان. وفي 2023، نظمت أول مؤتمر بعنوان "المريض الخبير"، مؤكدة أن المريض لا يجب أن يكون متلقيًا للعلاج فقط، بل شريكًا في وضع الحلول.
إلى جانب ذلك، أسست جيهان دارين لاستضافة مرضى السرطان مجانًا، واستكملت دراستها حتى حصلت على دبلوم في الصحة العالمية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. ورغم الانتكاسات المتكررة وعودة المرض إليها مؤخرًا، فإنها ما زالت تبدأ رحلة علاج جديدة بإرادة لا تعرف الاستسلام.
قصة جيهان الأصيل ليست مجرد سيرة امرأة قاومت السرطان، بل شهادة على قوة الروح الإنسانية حين تختار أن تحوّل الألم إلى رسالة، والمرض إلى منصة عطاء. هي مثال حي على أن الأمل يمكن أن يولد من قلب المحنة، وأن الصمود قد يفتح أبوابًا للحياة لا يتخيلها أحد.