على الرغم من استلهام هذا الفيلم من رواية بعنوان "فينلاند" للكاتب توماس بينشون ، إلا أنه يحمل بصمة عالم وأسلوب ورؤية المخرج الأمريكي المعروف بول توماس أندرسون، ولا يمكن فصله، من ناحية أخرى، عن مخاوف حقيقية تصاعدت منذ سنوات، بشأن توحش اليمين الأمريكي ، والذهاب بهذا التوحش الى أكبر مدى ممكن، وليس الموقف من المهاجرين كما عبّر عنه ترامب، سواء في فترته الرئاسية الأولى، أو في سنوات حكمه الحالية، إلا أحد العناوين المعروفة لهذا التطرف.
ولكن فيلمنا، الذى يحمل عنوانا موحيا ومعبرا وربما منذرا أيضا وهو "معركة تلو الأخرى"، أهم وأخطر من مسأله حصره فى بعده السياسي، لأنه مزيج معقد بين الاجتماعى والإنساني، بين المعالجة الجادة والمؤلمة، والساخرة والمضحكة أحيانا، كما أنه من حيث الشكل يجمع بين حرفة النوع السينمائى المشوق والمثير على الطريقة الأمريكية، وعمق العلاقات وبناء الشخصيات كما نعرفها فى السينما الأوربية، ويجمع أيضا، ببراعة ورهافة بين مشاهد الفوتومونتاج السريعة، التى تختزل الزمن وتكثفه، وبين المشاهد الحوارية الطويلة، التى تبقى طويلا فى الذاكرة، وهو الأسلوب الذى عرف به بول توماس أندرسون، بالإضافة إلى طول الفيلم نفسه، الذى يقترب من ثلاث ساعات، مستعرضا تحولات كثيرة فى سنوات طويلة.
كتب أندرسون السيناريو والحوار، وأسند البطولة للنجم ليوناردو دى كابريو ، والنجم شون بين، والنجم بينوكيو ديل تورو، وإذا كان ليوناردو وبينكيو يقدمان دورين مميزين، فإن شون بن يقدم دورا استثنائيا مدهشا يضاف الى أدواره اللامعة، كما يقدم الفيلم أدوارا نسائية مميزة للغاية لكل من تيانا تيلور فى دور الثائرة بيرفيديا بيفرلى هيلز، وريجينا هول فى دور الثائرة دياندرا، بالإضافة إلى وجه جديد موهوبة للغاية هى تشيس إنفينيتى فى دور ويللا، الذى يمكن أن يكون انطلاقة حقيقية لنجمة قادمة.
منذ المشهد الأول، ومن دون تحديد سنة بالضبط، نشاهد جماعة مسلحة تحمل اسم «فرنسى 75» يشارك فيها بات (ليوناردو دى كابريو)، وصديقته بيرفيديا (تيانا تايلور)، وهم يقومون باقتحام لمقر قوات عسكرية على الحدود بين أمريكا والمكسيك، ويطلقون سراح المهاجرين، بينما يحبسون الضابط المتغطرس ستيفن لوكجاو (شون بن)، وتتواصل تفجيراتهم واقتحاماتهم المسلحة، لنكتشف أننا أمام تنظيم مسلح ضد الرأسمالية الأمريكية، وهى بداية صادمة، تشير إلى يأس كامل من التغيير عبر الديمقراطية، واللجوء صراحة إلى العنف المسلح، بينما يمثل الضابط ستيفن النظام اليمينى القوى والغاشم.
تتحدد معالم الصراع منذ البداية حتى النهاية بمنتهى القوة، ليس عبر شعارات وحوارات، ولكن عبر علاقة إنسانية معقدة، حيث نكتشف وقوع ستيفن فى جاذبية بيرفيديا الجسدية، فيقيم معها علاقة، بينما تتزوج هى من صديقها بات، وعندما تحمل وتنجب طفلة، تسوء العلاقة مع بات، وترحل بيرفيديا لأنها نذرت نفسها للنضال، ولأنها لا تريد أن تكون زوجة وأم، وعندما يتم القبض على بيرفيديا، تقبل أن تشى بزملائها، فى مقابل إطلاق سراحها، بينما يهرب بات مع الطفلة، ويتخذ اسما جديدا هو بوب فيرجسون، بينما يطلق على الطفلة اسم ويللا.
بعد نحو 16 سنة، يحاول ستيفن الانتماء الى جماعة يمينية متطرفة تحمل اسم «مغامرى عيد الميلاد»، تضم شخصيات مرموقة، تؤمن بالنقاء العرقى، بينما تتدهور أحوال بوب، فيصبح مدمنا للمخدرات والخمور، أما ويللا فهى لا تعرف شيئا سوى أن أمها ماتت، وعندما يعاود ستيفن مطاردة ما تبقى من جماعة «فرنسى 75»، تتعقد العلاقات على نحو أكبر، خاصة عندما يشك ستيفن أنه أنجب ابنة من بيرفيديا السوداء، مما يهدد مستقبله فى الانضمام إلى الجماعة اليمينية المتطرفة، فى الوقت الذى يصبح فيه بوب مطاردا من جديد، وتقوم جماعة " فرنسى 75 "بإخفاء ويللا فى أحد الأديرة، وصولا إلى مفاجآت مدهشة إضافية لا تتوقف حتى نهاية الفيلم.
يمكنك أن تستمتع جدا بهذا المستوى الأول، حيث لا يتوقف الصراع، ولا المطاردة بين طرفين معروفين، وعلى مدى زمنى طويل، ولكنك لا تستطيع فى نفس الوقت أن تتجاهل هذا المستوى السياسى الخطير، حيث يصل الأمر إلى حرب حقيقية، ضد سياسات اليمين الرأسمالي، ويقوم بهذه المواجهة تنظيم يمكن أن نعتبره يساريا متطرفا، أو قد تراه فوضويا ثوريا إذا شئت، ولكن المهم أنه تنظيم لا يؤمن إلا بالحرب والعنف.
وفى مستوى اجتماعى ثالث، فهذه ابنة فى السادسة عشرة من عمرها، يطاردها ماض عائلى غامض، ووالدها الذى تعرفه ثائر قديم مهزوم، ولذلك عليها هى أيضا أن تدخل دائرة المطاردة، ولكن هذه المرة فى مواجهة الضابط ستيفن، الذى يشك فى أنها ابنته، والذى يحاول أن ينتمى بدوره إلى جماعة يمينية متطرفة، تحاسب أعضاءها على النقاء العرقى، وبينما يقدم الفيلم الجماعة اليسارية من الطبقات الدنيا، ومن السود بشكل خاص، فإن الجماعة اليمينية من الطبقة العليا، فى إشارة واضحة إلى أنها قد تصل بأعضائها إلى مراكز الحكم وصنع القرار.
ولكن الخطوط لا ترسم منفصلة عن طبيعة ظروف هذه الشخصيات المحورية، مضافا إليهم شخصية سيرجيو (بنيكيو دى تورو)، وهو صديق بوب، الذى يساعده على الهرب من مطاردة ستيفن، ويقوم سيرجيو أيضا بإيواء المهاجرين من المكسيك.
وتبدو الشخصيات كذلك فى حالة صراع داخلى : بوب السكير المخدر سيحاول أن يعود إلى نشاطه لإنقاد ويللا، وبيرفيديا التى عانت من دورها كأم وكثائرة، والتى كانت بطلة، وأصبحت واشية، وويللا التى ستكتشف ماضى أمها، وسيصبح عليها مواجهة ستيفن.
وبسبب هذه الصراعات الداخلية والخارجية، يظل التوتر هو عنوان السرد ، حتى عندما يتوقف أندرسون ليقدم مشاهد حوارية طويلة لا تنسى، منها مثلا لقاء ستيفن الأول مع أعضاء الجماعية اليمينية، ومواجهة بوب للابنة ويللا التى تلومه على إدمانه، ومواجهة ويللا للضابط ستيفن، ومشهد لقاء الجماعة اليمينية الذى انتهى بقرار تصفية ستيفن.
بدا لى أن الحكاية بأكملها عن" أمريكا فى حالة حرب"، وبين فريقين متطرفين، ويضاف الى ذلك أن نكتشف أن ويللا الشابة الذكية هى نتاج علاقة ثائرة يسارية أو فوضوية مع ضابط يمينى يطارد المهاجرين !! مما يجعلنا أمام مجاز مؤلم وساخر أيضا.
هذه هى أمريكا القادمة الممزقة بين العالمين، وإن كانت ويللا، بحكم التربية ليس إلا، ستحسم الاختيار لصالح مواصلة الحرب، رغم خطاب اعتذار من أمها المختفية، والتى تقول فى الخطاب إنها فشلت فى التغيير، فتلقى بالكرة المشتعلة الى الجيل الجديد.
أمريكا هنا فى معركة تلو آخرى، ساحة مشتعلة لا مهادنة فيها، وتطال سخرية أندرسون الطرفين معا، حيث يبدو اليمين متجسدا فى ستيفين المتصلب فى مشيته، أقرب الى روبوت أو شابلن معاصر، وستيفن مستعد لقتل ابنته والتخلص منها من أجل الصعود، والانتماء الى منظمة أعلى فى هرم السلطة.
ومن ناحية أخرى، تمثل بيرفيديا نموذجا غريبا من الثوار، وتبدو أحيانا باحثة عن الثورة من أجل الثورة، وهى أم فاشلة تغار من طفلتهأ، وتعترف فى خطابها إلى ابنتها أنها ليست قوية، وبينما رأيناها عنيفة تطلق النار، فإنها تنهار وتصبح واشية، وتقبل ممارسة الجنس مع ستيفين، وإن كان هذا التصرف فى حاجة إلى تعميق وتحليل أفضل.
ورغم التعاطف والانحياز إلى دور جماعة «فرنسى 75» فى مساعدة المهاجرين ، إلا أن أحد أفضل مشاهد الفيلم يتضمن سخرية لاذعة من إجراءات الجماية باستخدام كلمات السر، الذى نسيها بوب، تحت تأثير المخدرات والكحول، وفى هذا المشهد تتحول المنظمة الثورية الى جهة بيروقراطية بائسة وطفولية أيضا.
وبينما يتم تضفير السياسى بالإجتماعى فى بناء السيناريو، يحافظ أندرسون على تقاليد فيلم الإثارة متقن الصنع، وخصوصا فى مفاجات النهاية، مع تلك العناية الخاصة لشريط الموسيقى، سواء تلك التى ألفها جون جرينوود، متتبعا تقلب الأجواء والحالات المؤلمة والساخرة، أو باستخدام أغنيات بعينها تخدم الموقف وتعبر عنها، ودون أن تفلت من المخرج المتمكن تلك المشاهد المتنوعة.
يمكن التوقف بالتحليل عند كل المواجهات الحوارية، وعند القطع المتوازى فى مشاهد كثيرة، بينما تبدو مطاردة السيارات فى النهاية، وعبر طرق عجيبة تعلو تهبط، من أفضل المطاردات التى شاهدتها فى السنوات ألأخيرة، ومن أكثرها ابتكارا وطرافة.
وبينما يصعب أن تنسى الشخصيات بأداء ممثليها البديع، وخصوصا الضابط ستيفن بلمسات شون بن فى جديته المثيرة للسخرية، فإنك أيضا لن تنسى مغزى هذه "الحرب الأهلية الأمريكية"، والتى تؤكد النهاية أنها مستمرة بأشكال وطرق أخرى، وعبر معارك متتالية.
وياله من جحيم ينذر بالخطر، ويجعل من الحلم الأمريكى كابوسا بلا نهاية