من على كوبري 26 يوليو .. النيل يفيض بالأسئلة

من على كوبري 26 يوليو .. النيل يفيض بالأسئلةعاطف عبد الغني

الرأى5-10-2025 | 22:30

إذا مررت بجوار نهر النيل أو عبرت إحدى الكباري التي تربط ضفتيه، سواء فى العاصمة أو خارجها، لن تنتبه كثيرًا لجمال المشهد الساحر الذي يحيطك إذا كنت تقود السيارة لأن انتباهك سيكون موجه للطريق، لكنى هذه المرة، كنت أجلس إلى جوار السائق، وحين صعدت بنا السيارة كوبري 26 يوليو باتجاه الزمالك انشغلت بالنظر إلى النيل فوجدته موفور المياه، وأخذت أتمعن فيما استجد من مشاهد التجميل العمرانى على ضفتيه من الممشى الممتد، والإنشاءات الملحقة به.. لحظات جميلة سرعان ما تحولت إلى شاغل مؤرق، حين استدعت الذاكرة أزمة "سد النهضة" وقلق المصريين منذ تفجرها قبل سنوات بشأن ما قد يحدث إذا نقصت حصتنا من مياه النهر نتيجة سنوات الجفاف أو حجزها خلف السد الإثيوبي، وذلك قبل أن نكتشف أننا لم ننتبه إلى تهديد قد يأتي من الجهة المعاكسة، من زيادة المياه، وليس نقصها فقط، وهاهى إثيوبيا خلال الأيام القليلة الماضية تضطر إلى فتح بوابات السد لتصريف المياه الزائدة عن استيعاب بحيرته الاصطناعية، وقد أدى هذا إلى تدفق هائل فى مجرى النيل الأزرق، تسبب فى فيضانات أغرقت مساحات شاسعة من أراضى السودان الشقيق لتضيف كارثة جديدة إلى كوارثه.
إذن لم يعد اختزال مشكلة السد فقط فى نقص المياه، وقد بدا الآن للبعض أن "زيادة المياه" كان تحدٍ شبه منسيّ يعود للواجهة ويفرض واقعا جديدا مقلقا للعقل الجمعي المصرى، كما يطرح إعادة تعريف الأزمة لتشمل: النقص والفيضان، وكلاهما يحمل فى طياته تهديدًا مباشرًا للأمن المائي، والاقتصادي، والاجتماعى لمصر، ويبرز سؤال: هل انتبه صانع القرار لهذا التهديد؟ وهل اتخذت الدولة خطوات فاعلة لمعالجة الخطر المحتمل؟.. الإجابة قولا واحدا: نعم، وهناك ملامح واضحة لهذا التحرك متعدد الأبعاد، ومن المواجهة إلى التكيف، وذلك بعد دراسة كافة السيناريوهات المحتملة، بما فيها الفيضانات غير المحسوبة، وقد تطلّب هذا إعادة تقييم لمنظومة تشغيل السد العالي وخزانات المياه الأخرى، وكذا تعزيز شبكة الرصد والإنذار المبكر بالتعاون مع السودان وعدة جهات دولية لرصد الأمطار والسحب على الهضبة الإثيوبية، وتحليل صور الأقمار الصناعية لحركة المياه ومخزون السد، كما اتجهت الدولة إلى رفع الكفاءة الاستيعابية لبحيرة ناصر باعتبارها خزانًا استراتيجيًا قادرًا على امتصاص كميات مفاجئة من المياه دون إغراق المناطق المحيطة، إلى جانب مراجعة أنظمة الصرف فى المناطق المتاخمة للنهر، كما دخلت الدبلوماسية المصرية مرحلة جديدة، تعتمد على ربط قضية سد النهضة بالتحولات المناخية الإقليمية، وبما يعزز من موقفنا فى المحافل الدولية باعتبارات التضرر من قرارات أحادية لا تأخذ بعين الاعتبار مبدأ "المنفعة المشتركة وعدم الإضرار"،
وأخيرا وليس آخرا اتسع نطاق النقاش العام حول ملف المياه، ولم يعد حكرًا على الخبراء والفنيين، بل بات موضوعًا وطنيًا تشارك فيه مؤسسات الدولة والإعلام والجمهور، مما رفع من مستوى الوعي بأهمية المياه كأولوية وجودية.
و نهر النيل فى حياة المصريين منذ سكنوا ضفتيه، لم يكن مجرد مجرى مائي يعكس ضوء الشمس، بل كان مرآة تعكس حقيقة أكبر وهى أننا أمام كائن لا يعرف الاستقرار، تحكمه معادلات سياسية، مناخية، وجغرافية معقدة، ويحمل فى ذاته أسئلة كبرى عن العدالة، والحق، والنجاة، وإذا بدا النهر فى صفائه وديعًا جميلًا، فخلف هذا تكمن احتمالات خطر ما لم نواصل الترقب، التحرك، والاستعداد.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان