في زمن تتغير فيه المفاهيم وتتبدل فيه القيم، تسللت إلى بيئات العمل مقولة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها خطرًا كبيرًا على الضمير المهني والمجتمعي: «على قَدّ فلوسهم». عبارة يرددها البعض لتبرير الإهمال والتقصير في أداء العمل، لكنها في الحقيقة تُعبّر عن انحدار في منظومة الأخلاق وانفصال عن القيم الإسلامية التي جعلت الإتقان عبادة لا تُقاس بالراتب أو المكافأة.
يقول الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية وأستاذ الفقه المقارن، إن العمل ليس مجرد وسيلة للكسب المادي، بل هو أمانة ومسئولية يُسأل عنها الإنسان أمام الله والمجتمع. فالإهمال فيه خيانة، والتقصير غشٌّ، وكلاهما سلوك مرفوض شرعًا وعقلًا وفطرة.
ويُشير إلى أن المقولة الشائعة «على قَدّ فلوسهم» ليست مجرد تبرير بسيط، بل هي فلسفة سلبية هدّامة تُشرعن للخيانة وتُبرر التقاعس، وتتناقض تمامًا مع مبادئ الإسلام التي دعت إلى الإتقان في كل عمل.
ويُوضح الدكتور ربيع من الجانب الشرعي أن العلاقة بين الموظف وصاحب العمل هي عقد رضائي يقوم على الالتزام المتبادل، فبمجرد قبول الموظف للأجر، يكون وافق على أداء المهام المطلوبة منه بإخلاص وإتقان، مهما كان المقابل المادي. وأي تقصير بحجة ضعف الراتب يُعد خيانة للأمانة، لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ».
أما من الجانب الاجتماعي، فيؤكد أن من يردد هذه العبارة يضر نفسه قبل عمله، لأنه يُقزِّم طموحه ويُحجِّم قدراته ضمن حدود راتبه الحالي، بدلًا من أن يسعى إلى تطوير ذاته وإثبات كفاءته. فالإتقان في العمل لا يعود بالنفع على المؤسسة فقط، بل هو استثمار في الذات يفتح أبواب الترقّي والرزق الواسع.
ويختم الدكتور هشام ربيع قائلًا: «مَن كان مع الله في عمله، كان الله معه في رزقه».
فالإخلاص لا يضيع أبدًا، والله وحده من يُوسِّع الأرزاق ويبارك في الجهد الصادق.