في زمن تتسع فيه وسائل التواصل وتكثر فيه الفضائح الرقمية، يختلط على البعض معنى الستر الحقيقي بمعنى التستر على المجرمين. هذا الالتباس لا يضر فقط بالقيم الإسلامية، بل يهدد أمن المجتمع واستقراره. فالستر في الإسلام قيمة عظيمة تُعنى بحفظ خصوصيات الناس ونواياهم، أما الجرائم التي تضر الآخرين فالتغاضي عنها خيانة للأمانة وتهديد للسلامة العامة.
يقول الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية وأستاذ الفقه المقارن، إن الخلط بين مفهوم "الستر" و"التستر" على الجرائم" يعد خطأ فادحًا، لما له من تأثير مباشر على أمن المجتمع واستقراره. فحديث النبي ﷺ: "هلَّا سَتَرتَه بثوبك"لا يُقصد به الترخيص بالتغاضي عن المجرمين أو السماح لهم بالإفلات من العقاب، بل هو دعوة إلى ستر المسلم لأخيه في المعصية الخاصة بينه وبين ربه، والتي لم تتعدٍّ إلى إيذاء الآخرين أو حقوقهم. ففي هذه الحالة، يكون الستر فضيلة وأخلاقًا إسلامية راقية.
أما الجرائم التي تمس المجتمع، مثل القتل، السرقة، النصب، الاحتيال، والاتجار بالمخدرات، فإن التستر على مرتكبيها جريمة بحد ذاتها، لأنها تشجع المجرم على الاستمرار في غيه، وتعرض حياة الناس وممتلكاتهم للخطر، وتزيد من تفشي الفوضى والجريمة. ولا علاقة لما يسمى بـ"الجدعنة" أو "الرجولة" بإفلات المجرم من العقوبة بعد التلبس.
ويشير الدكتور ربيع إلى أهمية التمييز بين التبليغ والتشهير. فالإسلام يحث على حماية المجتمع، لكن ذلك لا يتم بنشر الفضائح على وسائل التواصل الاجتماعي أو التشهير بالأفراد، بل عبر القنوات الرسمية التي حددتها الدولة. فالتبليغ للجهات المختصة هو الوسيلة الشرعية والقانونية لضمان تحقيق العدالة، وإيقاف الضرر، وحماية حقوق الجميع، بما في ذلك حق المتهم في محاكمة عادلة والدفاع عن نفسه بعيدًا عن أحكام الشارع والمحاكمات الإلكترونية.