في زمنٍ تصنع فيه الأوطان نهضتها بسواعد أبنائها المخلصين، تظل الأكاديمية العسكرية مصنع الرجال، والبوابة التي تعبر منها الأجيال نحو شرف حماية الوطن ورفع رايته خفّاقة، هذا العام، بزغ نجم كوكبة جديدة من الأبطال الشباب والشابات، الذين أثبتوا بعزيمتهم وانضباطهم وإصرارهم أنهم جديرون بلقب أوائل الأكاديمية العسكرية.
التفوق لم يكن مجرد درجات أو مراكز، بل قصة كفاحٍ وإرادةٍ وانتصارٍ على التحديات، قصة شباب حملوا على عاتقهم حلم الدفاع عن مصر، وأثبتوا أن الانضباط والعلم والإيمان بالرسالة يمكن أن يصنعوا الفارق، وفي هذه السطور نقترب منهم أكثر، نستمع إلى حكاياتهم، ونكتشف أسرار نجاحهم، لنعرف كيف يفكر جيلٌ جديد من المقاتلين والعقول الواعية، الذين يستعدون ليكونوا حائط الصد الأول للوطن.
ثالث الكلية البحرية: الانضباط والالتزام هما سر النجاح والتفوق في الأكاديمية العسكرية.
يقول الملازم تحت الاختبار أدهم طراد، الحاصل على المركز الثالث على الكلية البحرية: "تطلعاتي دائمًا هي التوفيق من الله، وبذل كل ما في وسعي، والاستمرار في طريق النجاح والتفوق، أؤمن أن سر النجاح الحقيقي يكمن في الالتزام الصارم بالتعليمات، والتحلي بالانضباط الذي يصنع من الطالب العسكري شخصية قوية وقادرة على أداء مهامها على أكمل وجه، لقد تعلمت أن الانضباط ليس مجرد التزام بالقوانين، بل هو أسلوب حياة يصنع من الفرد مقاتلًا متفوقًا، وجنديًا قادرًا على خدمة وطنه بكل إخلاص، أنصح زملائي الجدد بأن يجعلوا الالتزام والانضباط نهجهم الأول، وأن يؤدوا واجباتهم كاملة دون تهاون، فالنجاح في النهاية توفيق من الله، وأفخر بانضمامي للقوات المسلحة المصرية، فهذا شرف لا يضاهيه شرف، وأتمنى أن أواصل المسيرة العظيمة التي بدأها من سبقونا من القادة الأبطال الذين كتبوا تاريخًا خالدًا بدمائهم وتضحياتهم."
ومن جانبها تقول السيدة هالة سلامة، والدة الملازم تحت الاختبار أدهم طراد، والتي لم تخفِ فخرها وسعادتها بنجاح نجلها: أدهم هو ابني الأكبر، وأول فرحتي، وقد علّمني من خلال رحلته في الكلية العسكرية معنى الالتزام الحقيقي، وضبط النفس، والتحكم في الأعصاب، لقد تغير كثيرًا، وأصبح أكثر قوة وصلابة وانضباطًا، وهذا بفضل التربية العسكرية الصارمة التي تضع الطالب في اختبارات متتالية لصقل شخصيته، نصيحتي لكل أم أن تدعم أبناءها وتشجعهم على اختيار هذا الطريق المشرف، فمهما كانت الصعوبات التي نواجهها كأسر – من بُعدٍ طويل عن أبنائنا، وقلة اللقاءات التي تقتصر على الزيارات، ومشقة التدريبات القاسية – إلا أن الفخر الذي نشعر به يعوض كل هذه التضحيات، أوصي ابني دائمًا بأن يؤدي واجباته على أكمل وجه، وأن يتقن عمله بإخلاص، وأن يراعي الله في كل خطوة، فهذا هو الطريق الذي يليق بجنود مصر البواسل.
الأولى على القسم الجامعي بالكلية الحربية: الأكاديمية بيتى الثاني.. منحتني الانضباط واللياقة والعلم، وأدعو كل الفتيات لخوض هذه التجربة المشرفة
تقول ندى جمال محمد، الأولى على القسم الجامعي بالكلية الحربية: "الاختلاف بين الحياة المدنية والحياة العسكرية كبير للغاية، فالحياة العسكرية تتميز بالانضباط والالتزام الصارم، في البداية واجهت صعوبة كبيرة في التأقلم مع هذا التحول، خاصة خلال فترة التدريب المكثف والانتقال المفاجئ من أجواء الحياة المدنية إلى الانضباط العسكري. وكانت أصعب اللحظات هي فترة الإعداد، إذ ابتعدت خلالها عن أهلي ولم ألتقِ بهم، ولكن الحمد لله مع مرور الوقت اعتدنا الأمر وأصبح جزءًا من حياتنا اليومية.
أقول بكل فخر إن الأكاديمية العسكرية تمنح جميع طلابها الفرصة ليكونوا من المتفوقين والأوائل، فهي تعمل على تنمية الطالب في جميع الجوانب، من خلال تنظيم الوقت، والاهتمام باللياقة البدنية، والمحافظة على الصحة العامة، فالتفوق لا يقتصر على الجانب التعليمي فقط، بل يشمل الانضباط والرماية واللياقة، لذلك أنصح كل زملائي وزميلاتي أن يهتموا بجميع هذه الجوانب دون إهمال أي جانب منها، الأكاديمية بالنسبة لي بيت ثانٍ عزيز على قلبي، فقد قضيت فيها سنوات الدراسة بكل فخر واعتزاز، وأوجه رسالة للفتيات أن يشجعن أنفسهن على التقديم والدراسة في الأكاديمية العسكرية، فهي شرف لأي شخص، ورغم أن قرار الالتحاق لم يكن سهلًا، فإنه كان القرار الأصح والأوفق في حياتي."
ويقول جمال محمد، والد ندى: لدي سبع بنات، وندى هي أصغرهن. بعد أن أنهت دراستها في كلية التمريض وأصبحت معيدة بالكلية، اتخذت قرارها الجريء بالتقديم إلى الأكاديمية العسكرية، مثل شقيقتها نانسي، التي سبقتها في هذا الطريق، وافقت على رغبتها دون تردد، خاصة أنها قالت لي جملة لن أنساها: "سأعوضك يا أبي عن عدم وجود شقيق بيننا"، ندى منذ صغرها شخصية منضبطة، مجتهدة، متفوقة دائمًا، ولديها عزيمة قوية. وأقول للآباء والأمهات: شجعوا أبناءكم وبناتكم على الالتحاق بالأكاديمية العسكرية، فهي مصدر فخر لنا جميعًا، وأعبر عن امتناني وفخري بابنتي نانسي وندى، وأتوجه بالشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، رجل الأمن والأمان، وإلى مدير الأكاديمية العسكرية وأعضاء هيئة التدريس، الذين يعاملون جميع الطلاب كأبنائهم دون تفرقة."
كما تقول والدة ندى: كانت فترة بعدها عني خلال الدراسة صعبة للغاية، لكنني كنت راضية وسعيدة لأنها رغبتها الحقيقية في الالتحاق بالحياة العسكرية، وهذا شرف كبير لنا جميعًا كأسرة، وأتوجه بخالص الشكر لمدير الأكاديمية العسكرية على موقف إنساني لن أنساه ما حييت، فقد كان أول تكريم لندى أثناء فترة دراستها، وطلبت منه بشكل شخصي أن أحضر هذا الحفل، فوافق مشكورًا وأرسل لي سيارة خاصة لتقلني إلى العاصمة الإدارية، كنت المدنية الوحيدة التي حضرت هذا التكريم، ورحب بي وتابعني بنفسه، رغم أنه لم يكن يعرفني بشكل شخصي، هذا الموقف الإنساني يظل محفورًا في قلبي، وأراه دليلًا على أن الأكاديمية العسكرية ليست فقط مؤسسة للتعليم والتأهيل، بل بيت كبير يحتوي أبناءه ويكرم أسرهم."
الأولى في الفروسية: الأكاديمية العسكرية أرض مقدسة.. علّمتني الشجاعة والانضباط وصقلت شخصيتي علميًا وبدنيًا
تقول نيرمين ضياء الدين، الأولى في مجال الفروسية، والتي التحقت بالأكاديمية منذ فبراير 2025: أضافت الأكاديمية إلى شخصيتي الكثير من القيم والمعاني، أهمها الشجاعة، والولاء، والانتماء، والشعور العميق بالوطنية، فالأكاديمية بالنسبة لنا ليست مجرد مكان للتعليم والتدريب، بل هي أرض مقدسة نلمس فيها على أرض الواقع معنى القوات المسلحة، وندرك حجم واجبها المقدس، وكيف يتم إعداد وتدريب أبنائها ليكونوا درعًا وسيفًا للوطن، التحاقي بالأكاديمية غيّر نظرتي للأمور، وصقل شخصيتي بشكل كامل، علميًا وعمليًا، من خلال الرماية بالأسلحة، وتنمية اللياقة البدنية، وتعزيز السلوك والانضباط، إلى جانب تدريبات الفروسية التي كانت بالنسبة لي تحديًا كبيرًا، ورغم ما تطلبه الأمر من جهدٍ شاق وتدريبات قاسية، إلا أن النتيجة كانت فخرًا وتفوقًا أحمد الله عليه."
والدة نيرمين، السيدة ناهد عبد الحميد تقول بفخر واعتزاز:"ابنتي نيرمين كانت تعشق الفروسية منذ صغرها، وعندما فتحت الأكاديمية العسكرية باب القبول في هذا المجال، سارعت بالتقديم برغبة منها وإصرار شديد، في البداية، كنت متخوفة بعض الشيء، فالحياة العسكرية ليست سهلة، خاصة أنها حياة صعبة مليئة بالالتزامات، وابنتي هي وحيدتي، لكن مع مرور الوقت، أثبتت نيرمين قوتها وجدارتها، وأظهرت شخصية مختلفة تمامًا. لقد تغيرت كثيرًا، فأصبحت أكثر التزامًا وانضباطًا، وشخصيتها باتت أقوى وأكثر صلابة، صحيح أنها كانت تحب الرحلات والأنشطة الترفيهية سابقًا، لكنها الآن باتت أكثر تركيزًا وجدية، تجمع بين القوة والانضباط، وهو ما يجعلني فخورة بها إلى أبعد الحدود."
الأول على القسم الجامعى: شرف الالتحاق ب الأكاديمية العسكرية لا يضاهيه شرف.. وحلمي يتحقق بعد سنوات من الصبر
يقول النقيب عبد الرحمن محمد أبو شوشة، الأول على القسم الجامعي: "كانت فترة التسعين يوم الأولى من أصعب الفترات التي مررت بها، حيث يتم خلالها الانتقال من الشخصية المدنية إلى الشخصية العسكرية، في الأسبوعين الأولين شعرت بإرهاق شديد، لأنني لم أكن معتادًا على طبيعة الحياة العسكرية الصارمة، لكن مع مرور الوقت بدأت أُدرك أهمية ما أقوم به، وولّد لدي ذلك دافعًا قويًا للتفوق والتميز.
أما من ناحية الحياة الشخصية، فقد كنت قبل التحاقي بالأكاديمية مدرسًا مساعدًا في جامعة طنطا بكلية الآداب قسم علم النفس، وحاصلًا على درجة الماجستير، وأعد حاليًا لرسالة الدكتوراه، لكن حلم الانضمام إلى الأكاديمية العسكرية ظل يراودني منذ عام 2015 عقب حصولي على الثانوية العامة، وعندما جاءت الفرصة لأكون جزءًا من القوات المسلحة، أسرعت إلى إبلاغ أسرتي – والدي ووالدتي وزوجتي – فكانوا جميعًا داعمين ومشجعين لي، رغم ما شعروا به من حزن في البداية بسبب بُعدي عنهم.
إن شرف الالتحاق ب الأكاديمية العسكرية لا يضاهيه شرف، فهي الصرح الذي يصنع الرجال ويمنحهم هوية جديدة قائمة على الانضباط والإصرار، ونصيحتي للشباب أن يثقلوا شخصياتهم بالعلم والمعرفة، فالعلم هو السلاح الحقيقي الذي يمنحهم مكانة كبيرة داخل الأكاديمية وخارجها."
وتقول السيدة إيناس السيد، والدة عبد الرحمن :أنا في غاية السعادة والفخر، فقد حقق ابني حلم حياته الذي ناضل سنوات من أجله، تقدّم أكثر من مرة، لكنه لم يفقد الأمل، إلى أن أراد الله له هذه المرة أن يتحقق حلمه، أشكر إدارة الأكاديمية العسكرية من قلبي، وأقول لهم: كان الله في عونكم، ونقدر كل ما تقدمونه من جهد وتضحية في سبيل إعداد أبنائنا."
ويقول محمد أبو شوشة، والد عبد الرحمن: لقد تغيّرت شخصية عبد الرحمن كثيرًا بعد التحاقه بالأكاديمية، فقد أضافت له قوة تحملٍ غير عادية، وعزيمة لا تلين، وإصرارًا على بلوغ هدفه، كان مصرًا على أن يكون من أوائل الأكاديمية، وها هو اليوم يحقق ما سعى إليه بجدارة."
ومن جانبها، تقول زينب عادل، زوجة عبد الرحمن: لم يكن الأمر سهلًا بالنسبة لي، فقد واجهت الكثير من الصعوبات أثناء وجوده داخل الأكاديمية وابتعاده عنا لفترات طويلة، لكن مع الوقت، شعرت أنه يحقق حلمه الكبير، وأنه سيكون فخرًا لنا جميعًا، فكان ذلك هو الدافع الذي جعلني أتحمل غيابه، وأكثر ما كان يؤلمني هو تساؤلات ابنتنا الدائمة عنه واشتياقها الكبير له، لكنني كنت أواسيها دائمًا وأخبرها أن والدها يرفع اسمنا عاليًا بخدمته لوطنه."



