تشهد سلطنة عُمان نقلة كبيرة في مختلف المجالات منذ تولي السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم في البلاد؛ فمنذ عام 2021م قام بعدة زيارات خارجية شملت دولا خليجية وآسيوية وأوروبية؛ هدفها في المقام الأول، تعزيز مختلف العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي أثمرت عن شراكات جديدة مع كبرى الاقتصادات العالمية؛ الأمر الذي ساهم في ارتفاع الاستثمارات الأجنبية في مختلف المناطق الحرة الاقتصادية.
وجاء تبني سلطنة عُمان استراتيجية الديلوماسية الاقتصادية، تطوراً مهماً في توظيف العلاقات الدبلوماسية لخدة تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارات المشتركة مع مختلف دول العالم، خاصة أن سلطنة عُمان تتميز بالفرص الاستثمارية والمقومات التي تجعلها رائدة اقتصاديا على مستوى دول العالم مثل الاستثمار في الهيدروجين الأخضر، مما جعلها محط أنظار المستثمرين الأجانب للفرص الكبيرة التي تحويها سلطنة عُمان في هذا القطاع الحيوي الواعد اقتصاديا.
المؤكد أن سلطنة عُمان تخطو نحو المجد والازدهار والنماء؛ بفضل إدارة الملف الاقتصادي بطريقة رائعة وبإشراف مباشر من السلطان هيثم بن طارق، للارتقاء ب عُمان واقتصادها وعلاقاتها الدولية إلى آفاق أرحب، وتكلل ذلك بإطلاق أول مسار عالمي لتصدير الهيدروجين المسال لتصدير الهيدروجين إلى أوروبا ويمثل نقلة كبيرة لمستوى العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان والدول الأوروبية.
وتجسيداً لذلك، مثلت زيارة الدولة الَّتي قام بها السُّلطان هيثم بن طارق إلى جمهوريَّة بيلاروس محطَّة جديدة في مسار الانفتاح المتوازن الَّذي تنتهجه سلطنة عُمان في علاقاتها الدوليَّة، إذ تؤكد من خلالها أنَّ بناء الشراكات يقاس بعُمق المصالح وتكامل الرؤى لا بقرب المسافات.
فلقاء سلطان عُمان برئيس جمهوريَّة بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو عكس رؤية واضحة لنهج السلطنة في إدارة علاقاتها، وهو نهج يزاوج بَيْنَ الحياد الإيجابي والتعاون الاقتصادي الفعَّال، حيثُ جاءت المباحثات الموسَّعة بَيْنَ الجانبَيْنِ لتفتح صفحة جديدة من التعاون تقوم على المصالح المشتركة وتبادل الخبرات في مجالات حيويَّة كالاستثمار والصناعة والأمن الغذائي والنقل، في خطوة تُعزِّز التوَجُّه السامي لتعظيم الاستفادة من ما تملكه البلاد من ثقل دبلوماسي وعلاقات راسخة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة للدول، ومد جسور التعاون البناء بما ينعكس إيجابًا على مسار التَّنمية الاقتصاديَّة ويُعزِّز مكانة السلطنة في محيطها الإقليمي والدولي.
ويندرج هذا الحراك الدبلوماسي أيضًا في إطار رؤية عُمانية شاملة تسعى إلى جعل السياسة أداةً لخدمة الاقتصاد وتعزيز التَّنمية المستدامة، حيثُ تجسِّد المباحثات مفهوم الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة ـ كما أشرنا سلفاً ـ بوصفها جسرًا نَحْوَ شراكات عمليَّة تقوم على تبادل المصالح لا تبادل المجاملات، وقد جاء حضور الوزراء المعنيين بالملفات الاقتصاديَّة والاستثماريَّة ليمنح الزيارة بُعدًا مؤسَّسيًّا يُعَبِّر عن رؤية واضحة تربط السياسة بالتَّنمية، وتحوُّل العلاقات الثنائيَّة إلى مشروعات ملموسة.
وأظهرت اللقاءات بَيْنَ الجانبَيْنِ العُماني والبيلاروسي رغبة متبادلة في توسيع التعاون في قِطاعات الإنتاج الحيوي، وفي مقدِّمتها الأمن الغذائي والصناعات التحويليَّة والنقل والخدمات اللوجستيَّة والسياحة، بما يتيح تنويع قنوات التعاون الاقتصادي وتوسيع آفاق الاستثمار بَيْنَ البلدين. ويأتي هذا التوجُّه منسجمًا مع مضامين رؤية « عُمان 2040» الَّتي جعلت من تنويع الاقتصاد وتعزيز الشراكات الدوليَّة ركيزة لتحقيق التوازن المالي والنُّمو المستدام، كما يعكس في الوقت ذاته قدرة السياسة العُمانيَّة على المواءمة بَيْنَ مبادئها الثابتة ومصالحها المتجددة في عالم سريع التغيُّر يموج بالصراعات والخلافات.
ولا شك أن ترجمة الرؤى السياسيَّة إلى نتائج ملموسة تُمثِّل جوهر الدبلوماسيَّة العُمانيَّة في عهد السُّلطان هيثم بن طارق وهو ما تجسَّد بوضوح في الاتفاقيَّات ومذكّرات التفاهم الَّتي وقّعت خلال الزيارة، فقد شملت هذه الاتفاقيَّات مجالات متعددة تَمسُّ جوهر التَّنمية، منها الإعفاء المتبادل من التأشيرات، والتعاون في النقل البَري الدولي، إلى جانب مذكّرات التفاهم في قِطاعات الزراعة والصحة والقضاء، ما يؤسِّس لشراكة عمليَّة تمتد إلى مساحات حيويَّة من الاقتصاد والمُجتمع.
كما يُعَدُّ المشروع الاستثماري المتعلق بإنتاج اللّب الورقي نموذجًا لهذا التوجُّه، إذ يفتح آفاقًا جديدة أمام جهاز الاستثمار العُماني لتنويع محفظته الخارجيَّة وتعزيز وجوده في الأسواق الأوروبيَّة، بما يحقق مصالح مشتركة ويضع أساسًا لتعاون طويل الأمد، وتُمثِّل خريطة الطريق الثنائيَّة الَّتي وقّعت بَيْنَ البلدين إطارًا مؤسَّسيًّا يضمن استدامة هذا التعاون وتحويله إلى برامج تنمويَّة ملموسة تسهم في تعزيز النُّمو الاقتصادي وتعميق الثقة المتبادلة بَيْنَ الجانبَيْنِ.
ولعلَّ أهمَّ ما تبرزه هذه الزيارة هو قدرتها على تجسيد النهج الوطني في بناء علاقات دوليَّة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتؤكد في الوقت ذاته انفتاح السلطنة على جميع الشركاء وابتعادها عن منطق الاستقطاب في عالم يزداد استقطابًا وتوترًا، فقد جاءت هذه الزيارة لتصبَّ أشكال التعاون الاقتصادي والاستثماري ضمن الدَّوْر السياسي العُماني الحريص على فتح الأبواب المغلقة بدبلوماسيَّة هادئة وبعيدة عن التشنجات والتكتلات، وهي دبلوماسيَّة أثبتت فاعليَّتها في ترسيخ مكانة السلطنة كجسر تواصل بَيْنَ الشرق والغرب، ومصدر ثقة في المحافل الإقليميَّة والدوليَّة.
إذ تعكس هذه السياسة إدراكًا عميقًا لموقع عُمان كدولة تتعامل مع المتغيرات بعقلانيَّة وتوازن، وتستثمر في الحوار بوصفه أداة لحلِّ الخلافات وتحقيق الاستقرار، وهكذا أكدت الزيارة أنَّ المسار العُماني في ظلِّ النهضة العُمانية المتجددة، يمضي نَحْوَ توسيع الحضور الدولي للسلطنة بروح منفتحة، ورؤية سامية ترى في التفاهم طريقًا للتَّنمية والسلام معًا.
وهنا نستطيع التأكيد والقول وبكل إطمئنان أن السنوات الخمس الماضية قد شهدت تحولات ملحوظة في مفهوم وأدوات الدبلوماسية العُمانية. فقد أصبحت السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج تلعب دورًا محوريًا في الترويج للفرص الاستثمارية في السلطنة، وتسويق بيئة الأعمال الجاذبة، والتعريف بالمشاريع الاقتصادية الاستراتيجية، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتكنولوجيا.
تعاونت وزارة الخارجية مع وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وجهاز الاستثمار العُماني، والجهات الحكومية ذات العلاقة، وغرفة تجارة وصناعة عُمان، والقطاع الخاص، لتوفير بيئة استثمارية تنافسية، وتسهيل الإجراءات، وتذليل العقبات أمام المستثمرين الأجانب.
وقد تجلت رؤية القيادة العُمانية الحكيمة في إيمانه العميق بأن ازدهار الشعوب وتقدمها يعتمد على بناء اقتصاد قوي ومستدام ماليًا، قائم على استثمارات نوعية تستثمر الميزات النسبية التي تتمتع بها عُمان، سواء من حيث موقعها الاستراتيجي أو مواردها البشرية والطبيعية. ومن هذا المنطلق، بات ملف الاقتصاد ذات أولوية قصوى، مستهدفًا تقويته وتعزيز ممكناته بما يجعل سلطنة عُمان وجهة متميزة للاستثمار، إلى جانب تنشيط القطاعات غير النفطية، وذلك وفق الخطط الخمسية وبرامج "رؤية عُمان 2040".
إجملاً يمكن القول أن الدبلوماسية الاقتصادية أصبحت اليوم ركيزة حيوية في السياسة الخارجية العُمانية، بعدما حولتها القيادة الحكيمة من مجرد مفهوم نظري إلى واقع عملي، انعكس في ترسيخ مكانة عُمان كوجهة موثوقة للاستثمار وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع العالم، بما يتماشى مع طموحات "رؤية عُمان 2040".
وتنفيذاً لتلك التوجيهات، أولت بعثة السفارة العُمانية بالقاهرة برعاية السفير عبد الله بن ناصر الرحبي، جل اهتمامها بتفعيل ملف العلاقات الاقتصادية والاستثمارات المشتركة بين عُمان ومصر، وعكفت البعثة على تنفيذ هذه الاستراتيجية وفق خطة منهجية مدروسة، من خلال زيارات السفير الرحبي المكثفة للجهات والمؤسسات الاقتصادية في مصر، وعقد لقاءات مع المسؤولين المصريين في مجالات الاقتصاد والاستثمار، أو عبر استضافة مجموعات من رجال الأعمال المصريين، في مقر البعثة بالقاهرة، من أجل بحث فرص التعاون المشترك في المجالات المستهدفة والتي تحقق المصالح المتبادلة بين البلدين، أو من خلال المشاركة في تدشين الفرص الاقتصادية في السلطنة عبر تقنية الفيديو كونفرانس، أو من خلال رعاية المؤتمرات الصحفية للإعلان عن الفرص الاستثمارية المشتركة بين البلدين في مجال التمور والسياحة وغيرها من المجالات.