رغم أن اسمه يوحي بالموت، فإن البحر الميت ظلّ على مدار آلاف السنين مقصدًا للعلاج والاستجمام، وموقعًا جغرافيًا فريدًا لا يشبه أي مكان آخر على وجه الأرض.
ولكن ما السبب الحقيقي وراء تسميته بـ«الميت»؟ وهل هو فعلًا بلا حياة كما يُقال؟ إليك القصة الكاملة.
يقع البحر الميت بين الأردن و فلسطين في أخفض نقطة على سطح الأرض، ويُعتبر من أكثر المسطحات المائية ملوحة في العالم، إذ تبلغ ملوحته نحو 34%، أي ما يعادل تسعة أضعاف ملوحة مياه المحيطات.
هذه الخصائص جعلته مكانًا فريدًا يستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم للاستمتاع بتجربة الطفو فوق سطحه أو للاستفادة من طينه الغني بالمعادن ذات الفوائد العلاجية للبشرة والمفاصل.
أصل التسمية
سُمّي البحر الميت بهذا الاسم لأنه لا يدعم الحياة النباتية أو الحيوانية بسبب ملوحته العالية التي تجعل المياه غير صالحة لمعظم الكائنات الحية. ومع ذلك، فهو ليس «ميتًا» بالكامل، إذ تعيش فيه أنواع نادرة من البكتيريا والفطريات والطحالب الدقيقة القادرة على تحمل الملوحة الشديدة، ومن بينها طحلب يُعرف باسم Dunaliella، والذي يمنح الماء أحيانًا لونًا مائلًا إلى الأحمر.
كيف تكوَّن البحر الميت؟
كان البحر الميت في الماضي جزءًا من البحر الأبيض المتوسط، لكن التحركات التكتونية بين الصفائح القارية العربية والأفريقية عزلته تمامًا عن البحر المفتوح، فتحول إلى بحيرة مغلقة تتغذى فقط من الأنهار والينابيع العذبة. ومع مرور الزمن، تبخرت كميات ضخمة من المياه في المناخ الصحراوي الجاف، ما أدى إلى تركيز الأملاح والمعادن بشكل غير مسبوق.
حقائق مذهلة عن البحر الميت
يطفو الإنسان بسهولة فوق مياهه بسبب كثافتها العالية التي تبلغ نحو 1.24 كجم/لتر.
تلمع الصخور والرمال على الشاطئ بسبب تراكم بلورات الملح (كلوريد الصوديوم).
يستخدم الزوار طين البحر الميت الأسود كقناع طبيعي لما يحتويه من معادن مفيدة مثل المغنيسيوم والبوتاسيوم.
لا تُمارس فيه أي رياضات مائية مثل السباحة العادية أو التزلج، نظرًا لارتفاع ملوحته وصعوبة الحركة في مياهه.
لماذا يُغرق البحر الميت البعض رغم طفوهم عليه؟
قد يبدو من المستحيل الغرق في البحر الميت، لكن الواقع مختلف. فكثافة المياه العالية تجعل التحكم في التوازن صعبًا، ومن يسقط وجهه في الماء يجد صعوبة في التقلب أو التنفس. كما أن ابتلاع كمية صغيرة من الماء شديد الملوحة قد يؤدي إلى اختلال خطير في الأملاح داخل الجسم ويؤثر على القلب والكلى.
التركيب الكيميائي الفريد
تختلف ملوحة البحر الميت باختلاف العمق والفصول، إلا أن أبرز مكوناته هي:
كلوريد الصوديوم (NaCl) بنسبة تفوق 60%.
المغنيسيوم والكالسيوم والبوتاسيوم والبروم بنسب مرتفعة مقارنة بمياه البحار الأخرى.
كما يحتوي قاعه على رواسب من القار (الأسفلت) تتكوّن بفعل التسربات الطبيعية، وهو ما أكسبه شهرة جيولوجية مميزة.
الحياة حول البحر الميت
رغم أن مياهه شبه خالية من الحياة، إلا أن المناطق المحيطة تزخر بالتنوع البيئي، حيث تعيش مئات الطيور والثدييات الصغيرة مثل الثعالب والوعول والأرانب البرية، إضافة إلى محميات طبيعية تحافظ على هذا النظام البيئي الفريد بين الصحراء والماء.
وفي النهاية، يبقى البحر الميت أعجوبة طبيعية فريدة تجمع بين الجمال والخطر، فهو بحر لا يغرق من يسبح فيه بسهولة، لكنه يحمل أسرارًا عميقة عن التوازن الدقيق بين الحياة والموت، بين الملوحة والسكينة، وبين التاريخ والطبيعة.