في مثل هذا اليوم، السادس عشر من أكتوبر عام 2011، أسدل الستار على حياة واحد من أنبل وأرقّ وجوه الفن المصري، الفنان عمر الحريري، الذي رحل بعد رحلة امتدت لأكثر من سبعين عامًا بين المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة، ليترك خلفه إرثًا فنيًا لا يُنسى، واسمًا محفورًا في ذاكرة الفن العربي بملامحه الهادئة وصوته الوقور وأدائه الصادق.
*البدايات.. طفل يعشق المسرح
ولد عمر محمد صالح الحريري في 12 فبراير عام 1926، لأسرة تهوى الفن، فهو ابن أخت الفنانتين ميمي وزوزو شكيب.
كان والده يصطحبه منذ صغره إلى المسارح، ليشاهد عروض علي الكسار وكشكش بيه، وهناك وُلد الشغف الأول.
كان الطفل عمر يقف أمام أسرته ليقلد الشخصيات التي يشاهدها على الخشبة، فيضحك الجميع ويصفقون له، دون أن يدركوا أنهم أمام فنان سيصبح يومًا ما أحد أعمدة التمثيل في مصر.
*من المعهد إلى خشبة يوسف وهبي
مع حبه المبكر للفن، لم يكن طريق الحريري عشوائيًا، التحق بـ المعهد العالي للتمثيل العربي وتخرّج عام 1947 في دفعة ضمّت شكري سرحان.
بعد التخرج، انضم إلى فرقة يوسف وهبي التي كانت في ذلك الوقت أهم مدرسة تمثيلية في مصر، وهناك وقف لأول مرة على المسرح في مسرحية الغيرة عام 1948.
ومن هنا بدأت ملامح الفنان تتشكل: الالتزام، الوقار، والنظرة العميقة في الأداء.
*أول لقاء مع السينما
عام 1950 كان نقطة التحول الأولى في حياته حين شارك في أول أفلامه "الأفوكاتو مديحة" أمام مديحة يسري ويوسف وهبي.
ومن تلك اللحظة، بدأت السينما المصرية تحتضن وجهًا جديدًا يحمل رقيًا من نوع مختلف، بعيدًا عن الصخب والمبالغة.
قدّم أكثر من 100 فيلم من أبرزها:
الوسادة الخالية، نهر الحب، الناصر صلاح الدين، المذنبون، أهل القمة، معالي الوزير.
ورغم أن البطولة المطلقة لم تكن نصيبه إلا مرة واحدة في فيلم أغلى من عينيه عام 1955، إلا أنه لم يكن في حاجة إليها، فقد كان بطلاً في كل مشهد ظهر فيه.
*وجه الرقي في جيل العمالقة
انتمى الحريري إلى جيل ذهبي ضم صلاح ذو الفقار، كمال الشناوي، ورشدي أباظة، لكنه تفرّد عنهم بهدوء نادر.
كان يختار أدواره بعين المثقف، فيوازن بين العمق والبساطة، فيُقنع الجمهور مهما كان الدور صغيرًا.
في الناصر صلاح الدين جسّد شخصية “فيليب الثاني أغسطس” ملك فرنسا بإتقان لدرجة أن بعض النقاد وصفوه بأنه “ممثل يفكر قبل أن ينطق”.
*المسرح.. البيت الأول والملاذ الأخير
المسرح كان بالنسبة له وطنًا. ظلّ يعود إليه في كل مرحلة من حياته، وكأنه يستمد منه الحياة.
قدّم عشرات المسرحيات، منها لعبة اسمها الحب، زيارة بلا موعد، منور يا باشا، وفي عز الظهر.
لكن تاريخه المسرحي سيظل مرتبطًا باسم الزعيم عادل إمام في اثنتين من أنجح المسرحيات في تاريخ الكوميديا المصرية:
شاهد ما شافش حاجة (1976) والواد سيد الشغال (1985).
على مدار 16 عامًا، جمعته بالزعيم علاقة فنية وإنسانية خاصة، اتسمت بالاحترام والتفاهم، وكان دائمًا يقول: " عادل إمام ممثل ذكي جدًا، وأنا أحب أشتغل مع الأذكياء".
حتى في أخر أيامه، عاد إلى المسرح في سكر هانم عام 2010، كأنه أراد أن يودع الجمهور من المكان الذي بدأ منه.
*دراما راقية ووجوه لا تُنسى
لم يكن التلفزيون بعيدًا عن مشواره الطويل، فقد قدّم أعمالًا لا تزال عالقة في أذهان المشاهدين، منها:
أوراق الورد مع وردة الجزائرية، أحلام الفتى الطائر مع عادل إمام، ساكن قصادي، البرنسيسة، أريد حلاً، شيخ العرب همام، وماما في القسم.
كان دائمًا حاضرًا في أدوار الأب أو الرجل الحكيم، يؤديها بصدق يجعلك تنسى أنك أمام ممثل، وتشعر وكأنه أحد أفراد أسرتك.
*صوت يروي الحكايات
لم تقتصر موهبته على الصورة، بل امتدت إلى الأثير، حيث شارك في العديد من المسلسلات الإذاعية، أبرزها سنة أولى حب، الأعماق البشرية، والوسادة ما زالت خالية.
حتى صوته كان يحمل نفس الهدوء والطمأنينة التي تميّز حضوره.
* تكريمات وحب لا ينطفئ
خلال مشواره الطويل، حصل عمر الحريري على العديد من الجوائز والتكريمات، من بينها:
درع الجماهيرية الليبية، ودرع المملكة الأردنية الهاشمية، وتكريم من تلفزيون السودان، إلى جانب درع أكاديمية الفنون وجائزة زكي طليمات.
لكن التكريم الأهم ظل حب الناس واحترامهم له، لأنه لم يسعَ يومًا للشهرة، بل تركها تأتي إليه بتواضعه.
* الرحيل الهادئ لفارس أنيق
في 16 أكتوبر 2011، رحل عمر الحريري عن عمر ناهز 85 عامًا داخل مستشفى الجلاء العسكري، بعد أن أنهى آخر أعماله حديقة الأذكياء.
خرجت جنازته من مسجد أبو بكر الصديق بمساكن شيراتون، وسط دموع محبيه وزملائه، الذين اتفقوا جميعًا على وصفه بأنه “الفنان الذي عاش كما مثل.. بأدب”.
رحل في هدوء كما عاش، دون ضجة أو استعراض، تاركًا وراءه أكثر من 300 عمل فني شكلت ملامح جيل كامل من الفن الجميل.
في ذكرى رحيله، يبقى عمر الحريري مدرسة قائمة بذاتها، مدرسة علّمت الأجيال أن الفن لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى صدق، وأن الرقي ليس سلوكًا على المسرح فقط، بل أسلوب حياة.