لم يكن الفنان عمر الحريري مجرد وجه وسيم مرّ على شاشة السينما، بل كان حالة إنسانية راقية من البساطة والصدق والالتزام، عاش للفن لا من أجله، وبقي رغم رحيله واحدًا من أنقى الوجوه التي عرفتها السينما المصرية.
ورغم أن سيرته الفنية حُكيت كثيرًا، إلا أن هناك أسرارًا صغيرة وذكريات دافئة، لا يعرفها كثيرون عن النجم الذي لم يرفع صوته يومًا، ولم يطلب البطولة.. لكنها جاءت إليه في عيون الناس.
*من «ماتقولش لحد» إلى «الوسادة الخالية».. مشوار فنان عاش كل الأدوار
بدأ الحريري رحلته في عالم السينما بفيلم غنائي مع فريد الأطرش، «ماتقولش لحد»، ليعلن منذ البداية أنه ممثل يعرف كيف يقف أمام الكاميرا برصانة، ومع مرور السنوات، تنقّل بين العاطفة والدراما والكوميديا بخفة فنان كبير.
في «أنا وحدي» قدّم شخصية الشاب الثري، وفي «بائعة الخبز» كان الابن الممزق بين البراءة والمأساة، وفي «موعد مع الحياة» ظهر كـ«الطبيب ممدوح» الذي خطف تعاطف الجمهور.
تنوّعت اختياراته، لكنها ظلت تحمل بصمته الهادئة حضور بلا افتعال، وكأن الكاميرا تلتقط روحه لا ملامحه.
*"من رضي بقليله".. البطولة ليست في حجم الدور
حين وقف عمر الحريري بطلًا في فيلم «من رضي بقليله» عام 1955، لم يتعامل مع البطولة كغنيمة، بل كمسؤولية، كان يدرك أن قيمة الممثل ليست في مساحة الحوار، بل في قدرته على منح الشخصية صدقًا إنسانيًا يلمس القلب.
ومنذ ذلك الوقت، صار وجهه مألوفًا في كل بيت مصري. لم يكن "النجم الوسيم" فقط، بل كان "الشخصية الطيبة" التي تشبه أحد أفراد العائلة.
*مغامراته الكوميدية مع إسماعيل ياسين
من أبرز المحطات التي رسّخت مكانة الحريري الجماهيرية، كانت أفلامه مع إسماعيل ياسين، ومنها «الآنسة حنفي» و«إسماعيل ياسين في جنينة الحيوان»
رغم أن البطولة المطلقة كانت لإسماعيل ياسين، إلا أن الحريري أضاف إلى المشهد لمسة من الاتزان والرشاقة، وكأنه يُوازن بين جنون الكوميديا ووقار الأداء.
* في «الوسادة الخالية».. الطبيب الذي هزم العندليب في قلوب الجمهور
حين قدم دور الدكتور «فؤاد» في «الوسادة الخالية» أمام عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز، لم يكن يتخيل أن جمهوره سيخرج من الفيلم متعاطفًا مع "الزوج الهادئ" أكثر من "العاشق المجروح"
كان هذا الدور تحديدًا نقطة تحول في مسيرته، إذ أثبت أن الأداء الصادق يمكن أن يجعل من الشخصية الثانية نجمًا أولًا في عيون الناس.
*زكي رستم والمعركة العائلية
وراء هذا الوجه الهادئ، كانت هناك قصة حب حقيقية اصطدمت برفض فني أرستقراطي، فحين تقدّم عمر الحريري لخطبة زوجته، اعترض خالها الفنان الكبير زكي رستم على الزيجة، لكنه أصر على الارتباط وأكمل طريقه حتى النهاية.
كشفت ابنته «ميريت» الكثير من جوانب شخصية والدها في البرنامح الإذاعي «ذكرياتي» تقديم النجم سمير صبري، وأفصحت لأول مرة عن أسرار من كواليس عمر الحريري الأسرية والفنية. وسأل صبري عن زواج الفنان الذي تقدّم لسليلة الباشوات، فأجابت ميريت: «خال والدتي هو الفنان زكي رستم، وعند تقدُّم والدي لطلب يد والدتي اعترض رستم على هذه الزيجة، رغم عمله بالفن، وتدخلت جدتي لإتمام الزواج».
وروت ميريت عن والدها، أنه كان إنسانًا بسيطًا، ويشبه شخصيته في أعماله وسهل العِشرة، وقالت: «والدي من عشاق أم كلثوم وكنا نسجّل حفلاتها، ونجتمع للاستماع إليها، وكبرت في حياة أم كلثوم، وعند سفرنا من ليبيا إلى مصر، كنا نستمع طوال الطريق إلى أغانيها».
*عمر خورشيد.. الجيتار الذي بدأ بحلم صغير
من المواقف التي تكشف عن إنسانيته، أنه ساعد مجموعة أطفال أرادوا شراء جيتارات لتكوين فرقة موسيقية، فدفع لهم الثمن وساعدهم دون تردد.
أحد هؤلاء الأطفال كان عمر خورشيد، الذي صار لاحقًا أسطورة الجيتار في مصر والعالم العربي، ظل خورشيد يذكر هذا الموقف في كل حوار، واصفًا الحريري بأنه أول من صدّق في حلمه.
*الضحك في العزاء
أما أكثر المواقف طرافة فكانت مع صديقه فؤاد المهندس، الذي لم يستطع تمالك نفسه من الضحك في عزاء يوسف وهبي، بعدما تذكر تقليد الحريري الشهير له.
خرج المهندس من سرادق العزاء كي لا يحرج نفسه، بينما لحقه الحريري وهو يضحك من قلبه، ليؤكد أن حتى الحزن لا يُقاوم أمام طيبته وخفة ظله.
* النجم الذي لم يبحث عن البطولة
رحل عمر الحريري في هدوء، كما عاش. لم يسع إلى الألقاب، ولا إلى النجومية الزائفة، وترك وراءه رصيدًا من المحبة والاحترام، وأدوارًا لا تنسى مهما تغيّر الزمن.
لقد كان واحدًا من هؤلاء الفنانين الذين لا يحتاجون إلى بريقٍ ليضيئوا الشاشة — لأنهم هم أنفسهم الضوء.