العزلة الرقمية.. حين يبتعد الأبناء وهم بجوارنا

العزلة الرقمية.. حين يبتعد الأبناء وهم بجوارنا الدكتورة إيمان شاهين، استشارية علم النفس الأسري

منوعات17-10-2025 | 14:47

في زمن أصبحت فيه الشاشات جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، تبدو الصورة داخل كثير من البيوت مألوفة: طفل يحدق في هاتفه، وأم تتصفح مواقع التواصل، وأب يراجع رسائل العمل، بينما يغيب الحوار والدفء الذي كان يجمع الأسرة حول مائدة واحدة. إنها ظاهرة "العزلة الرقمية" التي تهدد العلاقات الأسرية وتفصل الأفراد عن واقعهم رغم قرب المسافات المكانية.

توضح الدكتورة إيمان شاهين، استشارية علم النفس الأسري، أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الطريقة التي نستخدمها بها. فالأجهزة ووسائل التواصل الحديثة وُجدت لتقريب المسافات، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى جدران غير مرئية تفصل بين أفراد الأسرة، وتخلق عزلة عاطفية واجتماعية يصعب ملاحظتها في بدايتها.

وتضيف أن الطفل الذي يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة يفقد تدريجيًا قدرته على التفاعل الواقعي، إذ يعتاد على سرعة الصور والمشاهد الرقمية، فيملّ من بطء الحياة الطبيعية. ومع مرور الوقت، يصبح العالم الافتراضي ملاذه المفضل، حيث يجد التسلية الفورية دون الحاجة إلى جهد أو انتظار، مما يؤدي إلى ضعف مهارات التواصل الحقيقية، وتراجع الروابط الأسرية.

وترى الدكتورة شاهين أن المنع الكامل ليس حلًا واقعيًا، لأن الأطفال اليوم يولدون في عالم رقمي لا يمكن فصله عن حياتهم اليومية. ولكن الحل يكمن في المشاركة والوعي، من خلال الحوار الهادئ، وسؤال الأبناء عمّا يشاهدونه ومشاركتهم اهتماماتهم. فحين يشعر الطفل بأن والديه مهتمان بما يحب، يصبح أكثر استعدادًا للتفاعل والتوازن في استخدامه للتكنولوجيا.

كما تشدد على أهمية القدوة، فالأبوان اللذان يطلبان من أبنائهما الابتعاد عن الهواتف بينما هما غارقان فيها، يرسلان رسالة متناقضة. فالأطفال لا يتعلمون بالنصائح فقط، بل بتقليد السلوك اليومي لمن حولهم. لذلك، فإن تعديل عادات الكبار هو الخطوة الأولى لتغيير الصغار.

وتقترح الخبيرة أن تبدأ الأسرة بخطوات بسيطة مثل تحديد أوقات لاستخدام الأجهزة، وفرض "ساعة خالية من الشاشات" أثناء الوجبات أو قبل النوم. هذه العادات الصغيرة تُعيد الدفء إلى البيت وتخلق مساحة للحوار الحقيقي. كما أن الأنشطة البديلة – كالمطالعة، الألعاب الجماعية، أو النزهات القصيرة – تُعيد الطفل إلى الواقع وتشجعه على التفاعل الإنساني الطبيعي.

وتختتم الدكتورة شاهين بقولها إن مواجهة العزلة الرقمية لا تحتاج إلى عقاب أو صراخ، بل إلى حب واحتواء وتواجد حقيقي. فحين يشعر الطفل أن بيته يمنحه الاهتمام والإنصات، لن يبحث عن بديلٍ خلف الشاشة. عندها فقط، يمكن للأسرة أن تستعيد تماسكها، وتعود البيوت لتنبض بالحياة والدفء من جديد.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان