من شابة مصرية درست الصخور والتكوينات الجيولوجية، إلى عالمة وأستاذة جامعية تدرّس علوم التشريح والأحياء الدقيقة في الولايات المتحدة، تمثل الدكتورة عبير الغرباوي نموذجًا مُلهمًا للمرأة المصرية التي تجاوزت التحديات لتصنع لنفسها مكانًا في عالم البحث والتعليم الأكاديمي. رحلتها ليست مجرد انتقال جغرافي بين بلدين، بل انتقال فكري وإنساني يعكس قوة الإرادة والحنين الدائم للجذور.
في عام 1993، غادرت عبير الغرباوي مصر متجهة إلى ولاية أوهايو الأمريكية، بعد قبولها لدراسة الماجستير في الجيولوجيا بجامعة توليدو. ورغم تفوقها في مجالها العلمي الأول، إلا أن شغفها بالبحث الدوائي والعلمي قادها لتغيير مسارها بالكامل نحو دراسة الصيدلة، لتحصل فيما بعد على درجة الدكتوراه في العلوم الصيدلانية، وتعمل كباحثة ما بعد الدكتوراه في أبحاث السرطان بالمركز الطبي لجامعة توليدو.
تدرّس عبير حاليًا علوم التشريح، ووظائف الأعضاء، والأحياء الدقيقة، وعلم الأمراض، والمصطلحات الطبية في جامعة لوردز وكلية أوينز المجتمعية في أوهايو، حيث تُعد من النماذج المشرّفة للجالية المصرية والعربية في الخارج.
رحلتها لم تكن سهلة؛ فحين انتقلت إلى الولايات المتحدة في سن التاسعة والعشرين، واجهت الوحدة، وضغوط المعيشة، وبرودة الطقس القاسية، إضافة إلى غياب الدعم الأسري الذي كانت تعتمد عليه في مصر. لكنها واجهت كل ذلك بعزيمة قوية، خاصة بعد زواجها وإنجابها لابنتها الوحيدة علياء ريختر، التي تتابع اليوم دراستها في القانون بجامعة ولاية أوهايو.
تقول عبير إن كونها امرأة مسلمة ومصرية جعلها تواجه تحديات إضافية، خصوصًا في العثور على مدارس تحترم قيمها الدينية والثقافية أثناء تربية ابنتها. ومع ذلك، حرصت على غرس حب الهوية المصرية والإسلامية في ابنتها، إلى جانب الانفتاح على المجتمع الأمريكي وتقبّل التنوع الثقافي.
وتضيف أن الحنين لمصر لا يغيب عنها أبدًا؛ فهي تحتفل بكل المناسبات المصرية – من رمضان إلى شم النسيم – وتحرص على إعداد الأكلات المصرية، ومتابعة الأخبار والبرامج بالعربية، وزيارة مصر مرتين سنويًا. وتصف شعورها عند سماع النشيد الوطني أو رؤية العلم المصري بأنه "مزيج من الفخر والحنين والانتماء العميق".
كما تؤكد عبير أنها تشعر بالفخر كلما سمعت عن إنجاز مصري جديد، سواء كان في مجال العلم أو الطب أو الرياضة، وترى أن ما يحققه المصريون في الخارج اليوم هو امتداد لعبقرية المصريين القدماء الذين تركوا للعالم إرثًا من الإبداع في شتى العلوم.
في المقابل، واجهت عبير بعض الصور النمطية الخاطئة عن المرأة المصرية، خاصة تلك المرتبطة بالحجاب، والتي تُصوّرها كمنزوعة الإرادة أو خاضعة. لكنها اختارت مواجهة هذه النظرة بالعلم والإنجاز، مؤكدة أن التمثيل الحقيقي للمرأة المسلمة يأتي من سلوكها وأدائها المهني.
وتنصح عبير المهاجرين الجدد إلى أمريكا بعدم الانعزال عن المجتمع الجديد، بل محاولة فهمه والتفاعل معه، دون التخلي عن القيم الأصلية. تقول: "لا ترفضوا اللغة الإنجليزية أو الانخراط في المجتمع، لأن الانغلاق يعوق الاندماج والنجاح. الأمريكيون يحترمون التنوع، لكنهم لا يتفهمون التقوقع".
كما توجه نصيحة خاصة إلى السيدات المصريات الراغبات في الهجرة: "الهجرة ليست قرارًا سهلًا. هي مغامرة تحتاج إلى قوة وصبر واستقلالية. ستفتقدين الأهل والوطن، لذلك فكّري جيدًا قبل أن تخطي هذه الخطوة، وكوني على استعداد لتحمّل مسؤولية حياتك الجديدة كاملة".