تحل هذه الأيام ذكرى رحيل المخرج نيازي مصطفى، أحد أبرز صناع السينما المصرية في القرن العشرين، وصاحب البصمة التي لا تُمحى في تاريخ الفن العربي.
رحل في 19 أكتوبر عام 1986 في ظروف غامضة لا تزال تثير الجدل حتى اليوم، بعد أن وُجد مقتولًا داخل شقته بالجيزة، في جريمة قُيّدت ضد مجهول، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا ضخمًا يمتد لأكثر من خمسين عامًا من الإبداع والريادة.
*البداية من ألمانيا إلى «ستوديو مصر»
وُلد نيازي مصطفى في 11 نوفمبر عام 1911 بمدينة أسيوط لأسرة مصرية من أصول سودانية، وسافر إلى ألمانيا لاستكمال دراسته الجامعية، حيث التحق بمعهد الفيلم الألماني وتعلّم أصول الإخراج والمونتاج.
بعد عودته إلى مصر، التحق بـ«ستوديو مصر» وعمل مونتيرًا ثم مساعد مخرج مع الفنان الكبير يوسف وهبي، قبل أن يحصل على فرصته الأولى في الإخراج عام 1937 بفيلم «سلامة في خير» بطولة نجيب الريحاني، الذي شكّل نقطة تحول في السينما المصرية آنذاك.
*مخرج قضايا المجتمع والمرأة
منذ بداياته، لم يكن نيازي مصطفى مجرد صانع ترفيه، بل كان مخرجًا صاحب رؤية اجتماعية جريئة. ففي عام 1941 قدّم فيلم «مصنع الزوجات» الذي تناول قضية تحرر المرأة وتعليمها ومشاركتها في المجتمع، وهو ما عرّضه لهجوم حاد ومظاهرات نسائية اعتبرته محرّضًا على "تمرد المرأة"، لكنه تمسّك برؤيته، مؤمنًا بدور الفن في التغيير.
*صانع النجوم وصاحب البصمة المتنوعة
قدّم نيازي مصطفى عبر تاريخه أكثر من 120 فيلمًا متنوعًا بين الكوميديا، والاجتماعي، والغنائي، والأفلام التاريخية، وأفلام الحركة التي كان رائدها الأول في مصر.
ومن أبرز أعماله التي ما زالت تُعرض حتى اليوم:
سي عمر (1941)
عنتر وعبلة (1945)
رصيف نمرة 5 (1956)
سر طاقية الإخفاء (1959)
عنتر بن شداد (1961)
30 يوم في السجن (1966)
العسل المر، أزواج طائشون، أونكل زيزو حبيبي
بفضل موهبته الفذة، كان نيازي مصطفى يُلقب بـ «مخرج كل الألوان»، إذ لم يقتصر على نوع واحد من الدراما، بل أبدع في شتى الأنماط، واستطاع أن يُقدم نجمات ونجوماً جدد للساحة، من بينهم إسماعيل يس، شادية، هند رستم، وفريد شوقي.
*قصة حب استثنائية وزواج من «كوكا»
تزوّج نيازي مصطفى من الفنانة كوكا، التي كانت زميلته في قسم المونتاج بـ«ستوديو مصر»، واشتهرت بأدوار الفتاة البدوية في أفلامه، خاصة شخصية عبلة في فيلم عنتر وعبلة.
جمع بينهما حبّ كبير دام حتى وفاتها، ولم يُرزقا بأبناء. كما تزوج لفترة من الراقصة نعمة مختار قبل أن ينفصل عنها، ثم عاد إلى كوكا بعد إصابتها بالسرطان ليبقى بجوارها حتى رحيلها.
*الجوائز والتكريمات
نال نيازي مصطفى تكريم الدولة في عيد العلم عام 1965، والشهادة الذهبية من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما عام 1976، كما كرّمه المركز الكاثوليكي المصري للسينما عام 1977 عن مجمل أعماله، وحصل على جائزة الريادة عام 1986 قبل رحيله بأشهر قليلة.
كما اختيرت عدة أفلام من إخراجه ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري، من بينها سلامة في خير وسي عمر و30 يوم في السجن.
*النهاية الغامضة.. جريمة بلا قاتل
في صباح 19 أكتوبر 1986، اكتُشفت جثة المخرج نيازي مصطفى داخل شقته بالجيزة، وكانت يداه مقيدتين بكرافته، وشرايينه مقطوعة بشفرة حادة.
لم يكن الهدف سرقة، إذ وُجدت أمواله ومقتنياته كما هي.
تعددت البصمات في موقع الجريمة، وتضاربت الروايات بين الدوافع العائلية والسياسية والفنية، لكن التحقيقات انتهت بقيد القضية ضد مجهول.
رحل نيازي مصطفى تاركًا لغزًا لم يُحل حتى اليوم، لتتحول وفاته إلى واحدة من أغرب وأشهر الجرائم في تاريخ الفن المصري.
رغم النهاية المأساوية، يظل نيازي مصطفى رمزًا للسينما المصرية الكلاسيكية، وصانعًا لأجيال من المبدعين، ورائدًا حقيقيًا مزج بين الفن والفكر والإنسانية.
رحل الجسد، لكن بقيت أعماله شاهدة على زمنٍ كان فيه الإخراج رسالة، والسينما مرآة لروح مصر.