أصبحت كاميرات المراقبة اليوم ضرورة لا يمكن تجاهلها، ليس فقط لتأمين الممتلكات أو ردع الخارجين عن القانون، ولكن أيضًا لحماية كرامة الإنسان نفسه، هذه الكاميرات التي كانت في وقت من الأوقات محل جدل بين مؤيد ومعارض، أثبتت التجربة أنها شاهد صادق في زمن تتعدد فيه الروايات وتضيع الحقيقة بين الأصوات.
في الفترة الأخيرة بدأت الدولة خطوات مهمة في هذا الاتجاه، فتم تركيب كاميرات في محطات المترو والقطارات وبعض المرافق العامة، ضمن جهود تعزيز الأمن والانضباط، ورغم اعتراض البعض بدعوى المساس بالخصوصية، إلا أن الوقائع اليومية تؤكد أن وجود الكاميرات بات أمرًا حتميًا، لأنها ببساطة تحمي الجميع، فالكاميرا لا تعرف المحاباة، ولا تنحاز لأحد، بل تقول الحقيقة كما هي.
لكن حين ننتقل إلى وسائل النقل العامة مثل الأتوبيسات، سنجد المشهد مختلفًا تمامًا، لا توجد كاميرات، ولا توثيق لأي تجاوز، ما يجعل المواطن عرضة لسوء المعاملة أو الابتزاز أو حتى الإيذاء دون أن يجد من ينصفه، وآخر ما شهدناه كان واقعة الحاج فوزي، الرجل المسن الذي سقط أمام الأتوبيس بعد مشادة مع المحصل، بينما تجاهل السائق التوقف له، الواقعة هزّت الرأي العام وأثارت غضبًا واسعًا على مواقع التواصل، ليس فقط لأن المشهد مؤلم، بل لأنه ببساطة كان يمكن منعه لو كانت هناك كاميرا داخل الأتوبيس ترصد الموقف منذ بدايته وتُظهر ما حدث بدقة.
الفيديو الذي صوره أحد المارة أنقذ الحقيقة، وأعاد للرجل المسن حقه في مواجهة قسوة الموقف، لكن إلى متى سنعتمد على الصدفة لتوثيق الظلم؟ كم من وقائع مشابهة مرت ولم تصل إلى الضوء؟ وكم من مواطن تعرض للإهانة أو الأذى ولم يجد وسيلة لإثبات ما جرى!
من هنا تظهر أهمية وجود كاميرات مراقبة في المواصلات العامة، ليس كوسيلة عقابية، بل كأداة إنسانية تحفظ كرامة الراكب والسائق معًا، وتضمن العدالة للطرفين في حال حدوث أي خلاف أو اعتداء، وجود الكاميرا يخلق شعورًا بالانضباط والالتزام، لأن كل طرف يعلم أن هناك عينًا ترصد ما يجري، وأن أي تجاوز سيكون له حساب.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الدولة اتخذت خطوات جادة لإلزام المحال والمنشآت التجارية بتركيب الكاميرات ضمن الإجراءات الأمنية، وتم التأكيد على تطبيق الغرامات بحق المخالفين، لذلك، فإن توسيع هذا القرار ليشمل وسائل النقل العام أصبح ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل.
المطلوب اليوم هو قرار حاسم من الجهات المعنية يلزم جميع وسائل النقل العامة، سواء المملوكة للدولة أو للقطاع الخاص، بتركيب كاميرات مراقبة داخل المركبات، على أن تُربط هذه الكاميرات بغرف متابعة تابعة للمحافظات أو وزارة النقل، لضمان سرعة التدخل في أي واقعة، القرار لن يكون عبئًا على السائقين، بل حماية لهم قبل الركاب، وتأمينًا لمصدر رزقهم من الشكاوى الكيدية أو المشاحنات التي لا تستند إلى دليل.
وجود الكاميرات داخل المواصلات العامة بالطبع سيغير سلوك كثيرين، ويزرع روح الاحترام والانضباط في التعامل بين المواطنين، فالمسألة لا تتعلق فقط بضبط الجرائم أو رصد الحوادث، بل ببناء ثقافة جديدة عنوانها أن الكرامة الإنسانية خط أحمر.
حان الوقت لأن تكون الكاميرات جزءًا أساسيًا من منظومة النقل العام في مصر، تمامًا كما هي في الدول المتقدمة، فحادثة الرجل المسن لم تكن مجرد واقعة فردية، بل ناقوس خطر يدقّ في وجه كل من يتهاون في حماية المواطنين، الكاميرات ليست رفاهية، بل ضرورة مجتمعية، وسلاح للحق، ورسالة عدالة لا تحتاج إلى شاهد.