محمد توفيق.. الممثل الذي علّم الأجيال كيف يكون التمثيل حياة

محمد توفيق.. الممثل الذي علّم الأجيال كيف يكون التمثيل حياةمحمد توفيق

فنون24-10-2025 | 01:58

في كل عام، وتحديدًا في الرابع والعشرين من أكتوبر، يعود اسم الفنان الكبير محمد توفيق ليطل من ذاكرة الفن المصري كواحد من أعمدته الراسخة، ورمز للالتزام و الموهبة والوعي الفني.

ولد توفيق عام 1908 في طنطا بمحافظة الغربية، داخل أسرة وطنية عُرفت بمقاومة الاحتلال، هي أسرة العجيزي التي كان لها حضور قوي في الحركة الوطنية.

لم تكن بدايته نحو الفن سهلة، لكنها كانت مليئة بالشغف، ذلك الشغف الذي دفعه لترك كل شيء من أجل “الخشبة” ووهج الأضواء.

من حلوان إلى لندن.. رحلة بحث عن الفن

انتقل محمد توفيق مع أسرته إلى منطقة حلوان بالقاهرة، وهناك بدأت ملامح الفنان في التكوّن منذ أيام دراسته. التحق بـ معهد التمثيل في مطلع الثلاثينيات، ضمن أول دفعاته، ليصبح من أوائل خريجيه. لكن حلمه لم يتوقف عند حدود المعهد؛ سافر عام 1937 إلى إنجلترا لدراسة التمثيل على أصوله، وتعلّم على يد النجم العالمي لورانس أوليفييه، أحد أعظم الممثلين المسرحيين في التاريخ.

تلك التجربة الأوروبية صقلت موهبته ومنحته رؤية عالمية، فعاد إلى مصر في مطلع الأربعينيات مختلفًا.. ناضجًا فنيًا، حالمًا بأن يصنع سينما ومسرحًا يليقان بالإنسان المصري.

نجم السينما الهادئ وصوت المسرح القوي

مع عودته، بدأ توفيق مسيرته السينمائية من خلال فيلم "مصنع الزوجات" الذي أخرجه نيازي مصطفى، ومنه انطلقت رحلة طويلة مع الفن. لم يكن من نجوم الصدارة في أغلفة المجلات، لكنه كان نجم الأداء الصادق الذي يترك أثرًا لا يُمحى.

شارك في أكثر من 100 فيلم، منها السوق السوداء، بابا أمين، شيء من الخوف، حسن ونعيمة، شقة الأستاذ عليوة، أرض الأحلام. كما وقف على المسرح في أعمال كلاسيكية خالدة مثل فاوست والمفتش العام وست شخصيات تبحث عن مؤلف.

ولأن الفن عنده لم يكن مهنة بل رسالة، شارك أيضًا في إخراج النص العربي لمشروع الصوت والضوء في أهرامات الجيزة عام 1964، في عمل يجمع بين التاريخ والفن واللغة والوجدان.

الأب الروحي لدراما الثمانينات والتسعينات

في التلفزيون، ترك محمد توفيق بصمة لا تُنسى؛ فملامحه الهادئة وصوته المميز وحضوره الأبوي جعلوه أحد أكثر الوجوه المحببة للمشاهد المصري والعربي.

شارك في نحو 40 مسلسلًا من أبرزها: هند والدكتور نعمان، رحلة السيد أبو العلا البشري، ما زال النيل يجري، يوميات ونيس، وهي أعمال شكلت ذاكرة جيل كامل تربى على قيمها وبساطتها.

تكريم لا يليق إلا بالرواد

تقديرًا لعطائه، مُنح وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى مرتين: الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1967، والثانية من أنور السادات عام 1979، اعترافًا بمكانته كأحد كبار المبدعين في مصر.

إرث من الضوء لا يخبو

رحل محمد توفيق في 27 مارس 2003 عن عمر ناهز 95 عامًا، بعد مسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود، ترك خلالها رصيدًا ضخمًا من الأعمال التي لا تزال تُعرض وتُدرّس حتى اليوم.

كان دائم القول إن “التمثيل موهبة وممارسة وقاعدة”، وهي عبارة تختصر فلسفته في الحياة والفن، وتذكّرنا بأن الموهبة وحدها لا تصنع فنانًا، بل الصبر والإصرار والانضباط والصدق.

في ذكرى ميلاده.. يبقى المعلم

ربما لم يكن محمد توفيق نجم شباك، لكنه كان نجم الروح في كل عمل شارك فيه، الممثل الذي يفهم ما وراء الشخصية، ويجعل المشاهد يصدّق قبل أن يُفكّر.

في ذكرى ميلاده، لا نحتفي فقط بفنان رحل، بل برمزٍ من رموز الفن المصري الأصيل، وبمدرسة علمت الأجيال أن الفن لا يُقاس بعدد الأدوار، بل بصدقها وعمقها وتأثيرها.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان