كان الأسبوع الماضى هو أسبوع الثقافة و الفن .. عيدًا للفن بحق.. افتتحت فيه مؤسسات ثقافية جديدة ولقى رجال الثقافة و الفن من التكريم والتأييد والتشجيع ما فاق كل مطلب وهم جديرون به وبأكثر منه.
وإذا كان القول السائر أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، فقد بدا لى أن أقول وليس ب الفن وحده أيضا يحيا الإنسان، إن الإنسان يعيش بالعمل والمال والعلم والبحث والتكنولوجيا والزراعة والصناعة والتجارة وكل أنواع النشاط الإنسانى البنّاء.
ومن حق المبارزين فى هذه الميادين أن تقام لهم الاحتفالات وأن تزين صورهم الأنواط والنياشين وأن تقام لهم الأعياد والمهرجانات ليكون الشعب على علم بما يفعله القادة الأكفاء المتميزين.
كم أتمنى أن يكافأ الناجحون فى مجال المال والاقتصاد والبحث العلمى والتنمية الإدارية وفى الطب والزراعة والتعدين وسائر العلوم.
وكم أتمنى أن تمنح الجوائز لرؤساء مجالس إدارة شركات القطاعين العام والخاص (بشرط أن يكون أدوا الضرائب المستحقة عليهم)، إذا ما تأكد أنهم أنجزوا أهداف شركاتهم.. وكم يسعدنى أن يكرم عامل ماهر استطاع أن يؤثر فى نفقات الإنتاج وأن يقدم وسام لباحث اكتشف عقارًا جديدًا لمكافحة آفات الزراعة.. أو لطبيب استطاع أن يجد دواءًا جديدًا لمرض من الأمراض.. أو مهندس معمارى أسعفته قريته للوصول للحل الأمثل لمشكلة السكان.
إن هؤلاء جميعًا وأمثالهم فى حاجة إلى تشجيع وتكريم، ولا شك أن مئات منهم موجودون بالفعل فى جميع الشركات والهيئات والمصانع والمؤسسات العامة والخاصة، ولكن قليلاً ما نعرفه عنهم.
وبناء الإنسان المصرى الجديد يقوم على أكتاف هؤلاء وهؤلاء ولم يكفى أن يكتب الكتاب ويلحن الملحنون ويغنى المطربون ويمثل الممثلون إذا لم يكن فى البلد رءوس تفكر وسواعد تعمل وعقول تخترع وتبتكر وتعمل على ترفيه الحياة.. ولا شك أن ماكينة النقاد والكُتّاب عن مسلسل تليفزيونى ناجح أكثر بكثير مما تكتبه الصحف المصرية عن طبيب يكرس حياته لبحث مرض البلهارسيا حتى يجد له العلاج.
بنظرة إلى هؤلاء وهؤلاء تستقيم الموازين ويأخذ كل ذى حق حقه من التكريم.. ويحيا الإنسان الجديد بالخير وب الفن وبالعلم على السواء.
محمود عبد المنعم مراد
نحن لا نعيش الواقع!
قال الشاب فى يأس:
- لا أدرى ماذا حدث لنا.. للناس كلهم.. لا أحد أصبح راضيًا عن حياته.. لا أحد أصبح يحمد الله إلا لأن الله هو الذى لا يحمد على مكروه سواه.
وقال العجوز:
- الذى حدث هو أننا لا نعيش واقعنا.. إننا مازلنا نعيش فى ماضينا وعندما نهرب من الماضى نعيش فى أحلامنا.. إننا لا نتشكل بمتطلبات الواقع حتى نستطيع أن نعيشه.
قال الشاب ساخرًا:
- وما هى متطلبات الواقع؟
قال العجوز وهو ينظر إلى بعيد كأنه يحادث نفسه:
- الواقع فى العالم كله أصبح يفرض على الإنسان أن يتشكل بمميزات الآلة.. وسر مصيبتنا أننا نعيش على آلات قديمة لم تتطور.. إننا لا نزال نعيش على آلات لتوصيل مياه الشرب وجدت عندما كان تعداد أهل القاهرة مليونين وبقيت كما هى بعد أن أصبح تعداد القاهرة ثمانية ملايين.. وآلات المجارى.. وآلات التليفزيون.. وآلات المخابز.. وآلات البناء.. كلها آلات لم تتطور.. آلات ما تزال نعتمد عليها كما كنا فى الماضى ولن نستطع أن نتطور بها إلى متطلبات الواقع.. والأهم من كل هذه الآلات هو الإنسان نفسه كآلة.. إنه هو الآخر لم يتطور إلى مستوى الواقع.. إنه لا يزال آلة متأخرة.. آلة تعمل أربعة ساعات فى اليوم، فى حين أن الواقع يتطلب العمل عشر ساعات فى اليوم.. بل إنها آلة أصبحت تعتمد على أن تمدها الحكومة بالزيت والوقود دون أن تعمل أو تتحرك فى حين أن الواقع يفرض الاستغناء عن الآلة التى لا تعمل.
وهى آلة تعودت فى الماضى على أن تقيم فى مسكن مكون من ثلاثة أو أربعة أو خمسة غرف فى حين أن الواقع يفرض أن تعيش الآلة فى غرفة واحدة أو غرفتين.. وهى آلة ماتزال تنتج أطفال بلا عدد فى حين أن الواقع لا يحتمل أكثر من طفل أو طفلين.
وصرخ الشاب مقاطعًا:
- ما دخل كل ذلك فى أن البيضة أصبحت تباع بثمانية قروش وكيلو اللحم بجنيهين أو أكثر.
وقال العجوز فى أسى:
- إنه نفس السبب.. إننا لا نزال نعيش فى الماضى عندما كانت مصر بلدًا زراعيًا يكفى لإطعام أهله.. ولم تكن مصر تستورد البيض.. ولا الفراخ.. ولا اللبن..
ولا الفاكهة.. ولا اللحم.. ولا قطع الجبن.. و.. و.. وقد أصبح الواقع يقول إن من بين مجالات التطور داخل الشعوب تتطور الموارد الغذائية وتتطور تقاليد المائدة، إن ما يأكله المواطن الفرنسى اليوم يختلف عما
كان يأكله منذ خمسون سنة.. تطورًا مع الواقع.
والشعوب المتطورة أصبحت تأكل وجبتين رئيسيتين فى اليوم.. وجبتين فقط، فى حين أننا مازلنا نعيش الماضى ونصر على ثلاثة وجبات رئيسية.. لقد ثبت أن الفرد الروسى أو الفرد الإنجليزى يأكل أقل مما يأكله الفرد المصرى.
وخبط الشاب على المائدة بقبضة يده قائلاً:
- إنك تريد أن تلقى المسئولية كلها على الناس.. والمسئولية هى مسئولية الحكومة.
وقال العجوز مبتسمًا:
- إن أهم ما يشغل الحكومة هو تحقيق الأحلام لا الواقع.. أحلام كثيرة كالتليفزيون الملون مثلاً.. كان حلما وتحقق، هل تعلم أن الصين بجلالة قدرها لم تدخل التليفزيون الملون بعد.. بل إن التليفزيون العادى لا يمتلك ملكية خاصة.. ليس فى كل بيت هناك تليفزيون، ولكن التليفزيون يوضع فى أماكن اللقاءات العامة.
وصاح الشاب:
- إنك تتحدث عن الطبقة القادرة.. الفقير لا يستطيع أن يشترى تليفزيونا ملونا ولا أبيض وأسود.
قال العجوز بسرعة:
إن السخط والشكوى اللذين يحيطان بنا هما سخط وشكوى الطبقة القادرة.. الطبقة المتوسطة التى أصبحت تضم العمال.. وهى الطبقة الأكثر تأثيرًأ فى كل أحداث التاريخ.. إنها الطبقة التى تهدد الطبقة الأعلى
وتمتص الطبقة الأدنى.. إنها طبقة لا يسمح أفرادها بأن يكون هناك تليفزيون ملون دون أن تمتلكه.
إحسان عبد القدوس