عُمان.. مسار سياحي يعزز الخريطة التنموية

عُمان.. مسار سياحي يعزز الخريطة التنمويةمشروعات سياحية عُمانية جديدة

عرب وعالم31-10-2025 | 20:18

يُشكِّل القِطاع السياحي أحَد أهمِّ المحرِّكات الرئيسة للاقتصاد الوطني، فقد أضحى صناعة واعدة ومجالًا إنتاجيًّا واسع التأثير، ويُسهم في تنويع مصادر الدخل وتنشيط الأسواق المحليَّة، وتعزيز حركة الخدمات والاستثمار في مختلف المحافظات.

ويُعَدُّ إعلان وزارة التراث والسياحة عن توقيع (36) عَقد حقِّ انتفاع بقيمة (100) مليون ريال خطوة تعكس عُمق الرؤية التنمويَّة الَّتي تجعل من الاستثمار السياحي أداة فاعلة لتوزيع الفرص بعدالة على خريطة عُمان، وهو ما يرسخ مفهوم اللامركزيَّة التنمويَّة ويحوِّل كُلَّ مشروع جديد إلى مركز إشعاع اقتصادي، يربط المُجتمع المحلِّي بِدَوْرة الإنتاج الوطني، فتتحول القرى والولايات إلى محرِّكات تنمويَّة تُسهم في خلقِ فرص عمل جديدة، وتحفِّز الابتكار في الخدمات..

فالسياحة هنا تُمثِّل مشروعًا وطنيًّا يربط الإنسان بالمكان عَبْرَ استثمار الموارد الطبيعيَّة والتاريخيَّة والثقافيَّة، ويحوِّلها إلى قِيمة اقتصاديَّة مستدامة تُعزِّز الانتماء، وتمنح التنمية معناها الإنساني العميق، لِتصبحَ السياحة رافدًا اقتصاديًّا وشريانًا اجتماعيًّا يغذِّي المحافظات بروح المشاركة، ويُعِيد تشكيل الخريطة التنمويَّة على أُسُس من التوازن والعدالة.

ويتجلى هذا التوجُّه التنموي بوضوح في توزيع المشروعات السياحيَّة على امتداد المحافظات، حيثُ تتقدم كُلُّ منطقة بمُقوِّماتها الخاصَّة لِتكُونَ شريكًا في بناء منظومة سياحيَّة متكاملة.

تأتي هذه الإنجازات في القطاع السياحي بالتزامن مع حلول نسمات اليوم الوطني لسلطنة عُمان والذي يُحتفل به لأول مرة في التاريخ، في 20 نوفمبر 2025، بعدما تفضل جلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد بإعلان هذا اليوم مناسبة وطنية سنوية، ليكون العيد الوطني العُماني الأعرق في المنطقة العربية، إذ يعود تاريخه إلى نحو 281 عامًا.

كان العشرون من نوفمبر عام 1744م بداية عهدٍ جديد لعُمان، حين تولّى الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي الحكم، مؤسسًا دولةً موحدة قوية استطاعت أن تحافظ على استقلالها وسيادتها في محيط إقليمي متغير. عُرف الإمام بحكمته السياسية، وسعيه إلى بناء علاقات ودية مع القوى الإقليمية، فقد دعم الخليفة العثماني عبد الحميد الأول حملته لتحرير البصرة من الحصار الفارسي عام 1775م، ما أكسب عُمان احترامًا ومكانة دولية متميزة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت الدولة البوسعيدية رمزًا للحكمة والتوازن، وارتبط اسمها بالسلام والاستقرار، حتى وُصفت بأنها دولة بحرية حربية تجارية، يجمع حكمها بين القوة والاعتدال.

وتجسيداً لتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040 والتي حققت 74% من أهدافها برغم عدم اكتمال الربع الأول لها، إذ تم إطلاقها في بداية عام 2021، بالتزامن مع خطة التنمية الخمسية العاشرة (2021-2025). وتم اعتماد وثيقة الرؤية النهائية من قبل السلطان هيثم بن طارق في نهاية عام 2020، لتصبح نقطة الانطلاق للعمل الاستراتيجي في السلطنة حتى عام 2040.

تضمنت الرؤية عدة محاور للتنويع الاقتصادي المستدام وجاء في مقدمتها قطاع السياحة، وعكفت الجهات العُمانية المعنية وأهمها وزارة الاقتصاد على إطلاق حزمة من المشروعات السياحية المتكاملة والاستثمارات المتنوعة الجديدة التابعة لجهاز الاستثمار العُماني، والتي تعزز دور السياحة كأحد القطاعات المستهدفة في استراتيجية التنويع الاقتصادي خلال خطة التنمية الخمسية العاشرة 2021 – 2025 والخطط التنموية المقبلة ضمن تنفيذ رؤية "عُمان 2040".

تستهدف هذه المشروعات تنويع مصادر الدخل وروافد نمو الاقتصاد الوطني وتعظيم الاستفادة من المقومات الطبيعية الفريدة والإرث الثقافي والحضاري العريق ل سلطنة عُمان لترسيخ مكانتها باعتبارها وجهة إقليمية وعالمية للاستثمار ومقصدًا للسياحة المستدامة.

وحملت وزارة الاقتصاد ووزارة التراث والسياحة على عاتقهما كافة الجهود المبذولة للتأكيد على فاعلية جهود الترويج السياحي في الأسواق والمعارض الإقليمية والدولية، والتنويع المستمر لخيارات السياحة وما تتمتع به سلطنة عُمان من أمان واستقرار يعزز مكانتها بشكل متزايد كوجهة سياحية رائدة، ويحمل تنفيذ الاستراتيجية الوطنية العمرانية آفاقًا واعدة للسياحة في مختلف المحافظات مع تنفيذ مشروعات حضرية غير مسبوقة مثل مدينة السُّلطان هيثم ومدينة صلالة الجديدة ضمن منظومة المدن الذكية والمستقبلية في عدد من المحافظات التي تمثل نموذجا مبتكرا لنمط الحياة الذي يجمع بين مقومات الحداثة والتراث والاستدامة، ويسهم في جلب الاستثمارات التي تعزز مستهدفات التنويع والاستدامة ماليًّا واقتصاديًّا في سلطنة عُمان.

وتم خلال الخطة العاشرة (2021 ـ 2025) تحقيق عدد من المشروعات الإنمائية التي تعزز مكانة سلطنة عُمان باعتبارها وجهة أصيلة للثقافة و التراث والسياحة البيئية، إذ تم افتتاح متحف عُمان عبر الزمان كأيقونة تبرز الطابع الحضاري الفريد ل سلطنة عُمان وتعرّف بتاريخ عُمان العريق، كما يوشك على الانتهاء مشروع حديقة النباتات العُمانية التي تعد قيمة مضافة جديدة لتنويع خيارات قطاع السياحة والاحتفاء بإرث النباتات العُمانية الفريد من خلال بيئات تحاكي البيئات الطبيعية وتسهم في الحفاظ عليها.

ولعل المشروعات السياحية الجديدة التي أُعلنت عنها مؤخراً وزارة التراث والسياحة شملت مسقط والداخليَّة وشمال الشرقيَّة وظفار وجنوب الباطنة وغيرها، تُمثِّل ترجمة عمليَّة لفكرة التنمية المكانيَّة الَّتي تقوم على استثمار تنوُّع الجغرافيا العُمانيَّة كعنصر قوَّة اقتصادي. كما أنَّ توزيع العقود يُعِيد تعريف مفهوم التنمية من مركزيَّة العاصمة إلى شمول الأطراف، لِتتحولَ الجبال والسهول والسواحل والواحات إلى نقاط جذب سياحي واقتصادي، لِيخلقَ الانتشار المتوازن شبكة من الوجهات الَّتي تغْني التجربة السياحيَّة، وتُعزِّز تماسك الاقتصاد المحلِّي؛ ذلك أنَّ كُلَّ مشروع جديد يُضيف حلقة في سلسلة التنمية الَّتي تنسجها سلطنة عُمان برؤية تعتمد على تكامل المكان والإنسان، لِتصبحَ السياحة وسيلة لإحياء الموارد الطبيعيَّة والثقافيَّة ضِمن دَوْرة إنتاج وطنيَّة مستدامة.

المؤكد أن كل ذلك هو ما تسعي إليه جاهدة وزارة التراث والسياحة في تنفيذ برنامج تنمية المحافظات الذي يحقق مستهدفات مهمة في تعزيز الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمشروعات الإنمائية، ومن بينها دعم الجوانب الخدمية وتحفيز الأنشطة الاقتصادية وتوفير فرص العمل وتعظيم الاستفادة من المقومات التنافسية في المحافظات، وضمن مشروعات برنامج تنمية المحافظات، تمثل مشروعات تطوير وتجميل مداخل المحافظات والمناطق السكنية والصناعية والتجارية نسبة 9 بالمائة من إجمالي مشروعات البرنامج، ومشروعات تطوير الواجهات والإطلالات والأماكن السياحية نسبة 6 بالمائة، وتمثل الفعاليات والمهرجانات نسبة 5 بالمائة، ومشروعات الحدائق والمتنزهات والمماشي الصحية نسبة 17 بالمائة، إضافة إلى المشاريع الخدمية ومشاريع الطرق التي يتم تنفيذها من خلال برنامج تنمية المحافظات.

تشير التقديرات الاقتصادية العُمانية إلى أن متوسط معدل نمو القيمة المضافة الحقيقية لقطاع السياحة ممثلا في أنشطة الإقامة والخدمات الغذائية بلغ 6.2 بالمائة خلال الفترة (2021 - 2024) متجاوزا النمو المستهدف لقطاع السياحة بنهاية خطة التنمية الخمسية العاشرة والبالغ 1.4 بالمائة، وسجلت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي ل سلطنة عُمان 691 مليون ريال عُماني خلال عام 2024.

وقد حقق قطاع السياحة معدل نمو مرتفعًا خلال الربع الأول من العام الجاري 2025 بنسبة 11.7 بالمائة ليزيد إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي ل سلطنة عُمان من 181 مليون ريال عماني خلال الربع الأول من عام 2024 إلى 202 مليون ريال عماني خلال الربع الأول من العام الجاري 2025.

إنَّ ما يتحقق اليوم في القِطاع السياحي ب سلطنة عُمان يجسِّد رؤية وطنيَّة تجعل من التنمية مشروعًا يحمل روح الهُوِيَّة، ويُعَبِّر عن وعي اقتصادي واجتماعي متكامل. فالمشروعات السياحية الَّتي تنتشر على امتداد المحافظات ترسم ملامح تجربة متفردة تقوم على التوازن بَيْنَ الأصالة والمعاصرة، وتُحوِّل الجغرافيا إلى طاقة إنتاجيَّة تروي قصَّة المكان، وتستثمر موروثه في بناء المستقبل.

إجمالي القول، أن الوجهات السياحيَّة الجديدة تقدم صورة متكاملة لعُمان كدولةٍ تمتلك مُقوِّمات حضاريَّة تجعل من بيئتها موردًا مستدامًا، ومن تراثها لُغة عالميَّة للتعارف والتفاهم، وهو ما يؤكِّد أنَّ التنمية الحقيقيَّة تنبع من الإنسان العُماني الَّذي يصنعها ويحافظ على روحها، لِيبقَى القِطاع السياحي شاهدًا على قدرة الوطن على تحويل ثرواته الطبيعيَّة والثقافيَّة إلى قوَّة ناعمة تُعزِّز حضوره الإقليمي والدولي.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان