وراء كل عظيم امرأة، ووراء طه حسين كانت سوزان بيرسو، الزوجة الفرنسية التي تحولت إلى "عينه المبصرة وصوته العذب" كما وصفها بنفسه.
قصة حب نادرة تخطّت حدود الدين والثقافة واللغة، جمعت بين عقل فيلسوف مصري كفيف وفتاة فرنسية كاثوليكية، لتصبح شريكة دربه في الحياة والفكر والأدب على مدى أكثر من نصف قرن.
كانت سوزان بيرسو فتاة فرنسية كاثوليكية، تحلم بأن تصبح معلمة، لكن الحرب العالمية الأولى غيّرت مسار حياتها. فمع اشتداد القصف على باريس، اضطرت عائلتها إلى الانتقال إلى مدينة مونبيليه بحثًا عن الأمان، وهناك بدأت سوزان فصلًا جديدًا من حياتها لم تكن تتوقعه.
في عام 1915 حصلت على عمل استثنائي: أن تكون قارئة لشاب مسلم كفيف يدرس الفلسفة في الجامعة، كان اسمه طه حسين. لم تكن تعلم حينها أن هذا اللقاء سيجمع بين عقلين وقلبين من عالمين مختلفين، ليتحوّل التعاون العلمي إلى علاقة إنسانية عميقة سمت فوق كل الحواجز.
انبهر طه حسين بشخصية سوزان ودفئ صوتها، فأطلق عليها لقب "صوته العذب"، وقال في مذكراته إن إحساسًا قويًا راوده منذ اللقاء الأول بأنها ستكون سيدة حياته. ورغم اعتراض أسرتها الشديد على فكرة زواجها من رجل عربي مسلم كفيف، فإن القدر كتب فصلاً آخر للقصة حين التقى خالها القس بطه حسين، فأُعجب بثقافته وخلقه وأقنع العائلة بالموافقة على الزواج.
رحلت سوزان مع زوجها إلى القاهرة عام 1919، وبدأت معه حياة جديدة مليئة بالتحديات والإنجازات. أنجبا ابنتهما أمينة، ثم ابنهما مؤنس، وكانت سوزان الرفيقة الدائمة في مسيرة طه حسين العلمية والأدبية، تكتب وتقرأ له وتشاركه أفكاره، حتى أصبحت جزءًا من مشروعه التنويري الكبير.
دامت رحلتهما الزوجية 56 عامًا، لم تفارقه خلالها حتى وفاته عام 1973، لتظل بعده وفية لذكراه في مصر التي أحبتها كما أحبته، ولم تغادرها حتى رحلت عن عالمنا عام 1989 عن عمر ناهز 94 عامًا.
قصة سوزان طه حسين ليست مجرد حكاية زواج، بل شهادة على أن الحب والعقل يمكن أن يصنعا معًا أسطورة خالدة، امتدت من باريس إلى القاهرة، ومن ضوء الفكر إلى بصيرة القلب.