في عالمٍ تتزاحم فيه المقاطع القصيرة والمحتويات السطحية على شاشات الهواتف، يطلّ مصطلح جديد يُثير القلق بين الأطباء والآباء على حدّ سواء: "تعفّن الدماغ" (Brain Rot).
هو ليس مرضًا فعليًا، بل توصيف لحالة من الضباب الذهني، وتشتّت الانتباه، وضعف القدرة على التركيز، تصيب من يقضون ساعات أمام محتوى ترفيهي بلا معنى. ظاهرة تتغذى على "الدوبامين اللحظي"، وتُضعف الدماغ مع مرور الوقت، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
ما المقصود بتعفّن الدماغ؟
يشير مصطلح "Brain Rot" إلى التراجع الإدراكي الناتج عن الإفراط في مشاهدة محتوى رقمي سريع الإيقاع وضعيف القيمة، مثل المقاطع القصيرة على "تيك توك" و"ريلز" و"يوتيوب شورتس".
فبدلاً من أن تُحفّز هذه المقاطع الدماغ، تُصيبه بنوع من الخمول العقلي نتيجة التحفيز المفرط والسريع لمراكز المتعة.
ويُذكر أن قاموس أوكسفورد اختار هذا المصطلح ليكون "كلمة العام 2024"، بعد أن تحوّل إلى ظاهرة لغوية وثقافية عالمية.
كيف يحدث تعفّن الدماغ؟
يرتبط الأمر ارتباطًا وثيقًا بآلية عمل الدوبامين، وهو الهرمون المسؤول عن الشعور بالسعادة والمكافأة.
فعند مشاهدة مقاطع سريعة ومتتابعة، يحصل الدماغ على دفعات متتالية من الدوبامين، ما يولّد إحساسًا فوريًا بالمتعة.
لكن مع الوقت، يعتاد الدماغ هذا التحفيز السريع فيفقد قدرته على التركيز والاهتمام بالمحتوى العميق أو الأنشطة التي تتطلب صبرًا، مثل القراءة أو الدراسة.
ومع الاستخدام المفرط اليومي، يتحوّل الدماغ إلى حالة تشبه الإرهاق العصبي المزمن.
من الأكثر عرضة للإصابة؟
تشير الإحصاءات إلى أن الشخص العادي يقضي أكثر من ساعتين ونصف يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تمضي الفتيات المراهقات قرابة ثلاث ساعات يوميًا في التصفح المستمر.
هذا الوقت المهدور يُنتزع من أنشطة تُغذّي الدماغ فعليًا مثل التعلّم، القراءة، أو التفاعل الواقعي.
النتيجة: دماغ أقل نشاطًا، وانتباه متقطع، وميل للكسل الذهني.
سلوكيات تسرّع من "تعفّن الدماغ":
المشاهدة المفرطة لمقاطع الفيديو القصيرة.
التنقّل المتكرر بين التطبيقات أثناء تصفح الإنترنت.
الرد المتواصل على الإشعارات والرسائل.
الإفراط في ألعاب الفيديو التي تعتمد على الإثارة الفورية.
توضح الدكتورة زينب مهدي، أستاذة الطب النفسي والعلاقات الأسرية، أن "ما يُعرف بـ«تعفّن الدماغ» ليس مصطلحًا طبيًا، لكنه توصيف دقيق لحالة الإدمان السلوكي الرقمي المنتشرة بين الأطفال والمراهقين".
وتضيف: "المحتوى السريع يحفّز المخ بشكل لحظي دون أن يمنحه فرصة للراحة أو المعالجة، مما يؤدي إلى تشتت الانتباه وصعوبة اتخاذ القرار وضعف الذاكرة العاملة. الطفل الذي يعتاد هذا النمط من التحفيز يفقد تدريجيًا قدرته على الصبر أو التعلّم بعمق، لأنه ببساطة أصبح يبحث عن المكافأة الفورية دائمًا".
وتوصي مهدي بضرورة تقنين استخدام الشاشات، وتخصيص وقتٍ يومي للأنشطة الذهنية الواقعية مثل القراءة والرسم والألعاب الجماعية، مؤكدة أن “الدماغ مثل العضلة، يضعف بالإهمال ويقوى بالممارسة والتنوع”.
كيف نحمي أبناءنا؟
الوقاية تبدأ من الوعي، ثم البدائل.
ينصح الخبراء الآباء بوضع حدود زمنية صارمة لاستخدام الهاتف، وتشجيع الأبناء على أنشطة تُحفّز الدماغ مثل تعلم مهارة جديدة، ممارسة الرياضة، أو حتى سرد القصص العائلية.
فالدماغ الذي يُغذّى بالمعنى والمعرفة لا يتعفّن… بل يُزهر.