في زمن أصبحت فيه الشاشات ضيفًا دائمًا على كل مائدة، تحول تناول الطعام من لحظة وعي ومتعة إلى عادة آلية يصاحبها التشتت والانفصال عن الذات. ورغم أن استخدام الهاتف أثناء الأكل قد يبدو أمرًا بسيطًا أو غير ضار، إلا أن خبراء التغذية والصحة يؤكدون أنه من أخطر السلوكيات على المعدة والعقل، إذ يعبث هذا التداخل بين التكنولوجيا والجسم بإشارات الجوع والشبع، ويهدد العلاقة الطبيعية بين الدماغ والهضم.
بات الهاتف المحمول رفيقًا دائمًا في أوقات الطعام، فنادرًا ما يجلس أحدنا دون أن يتفقد رسائل واتساب أو يشاهد مقطعًا سريعًا على “ريلز” أو يمر بعينه على منشور فيسبوك. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه العادة إلى خطر حقيقي على صحتنا الجسدية والنفسية.
يحذر خبراء التغذية من أن تناول الطعام أثناء النظر إلى الهاتف أو التلفاز يقطع التواصل الطبيعي بين العقل والمعدة، ويؤدي إلى اضطراب في آلية الشعور بالشبع. وتشير دراسات أجرتها جامعة بريستول البريطانية إلى أن الأشخاص المشتتين أمام الشاشات أثناء الأكل يميلون لتناول كميات أكبر من الطعام دون وعي، مما يجعلهم أكثر عرضة لزيادة الوزن.
توضح خبيرة التغذية خوانا ماريا غونزاليس أن “تجاهلنا للطعام يجعلنا نتجاهل إشارات الشبع الضعيفة بطبيعتها، فنستمر في الأكل رغم أن أجسامنا لم تعد بحاجة للمزيد”. وتضيف خبيرة التغذية لورا خورخي أن “الانشغال بالشاشة يوقف التواصل بين المعدة والدماغ، فيصبح الأكل مجرد فعل آلي خالٍ من الإدراك”.
ويؤكد الباحثون أن هذا الانفصال بين المحفزات الخارجية (الشاشة) والإشارات الداخلية (الجوع والشبع) يؤدي إلى خلل في أنظمة التنظيم الغذائي داخل الجسم، مما يرفع احتمالات السمنة ومشاكل التمثيل الغذائي على المدى الطويل.
مضغ أقل وهضم أبطأ
عندما ينشغل الذهن بالشاشة، يصبح المضغ أسرع وأقل فاعلية، وهو ما ينعكس مباشرة على عملية الهضم.
تشير خبيرة التغذية كريستينا ريوس إلى أن “الطعام الذي لا يُمضغ جيدًا يصل إلى المعدة في صورة غير جاهزة للهضم، مما يسبب شعورًا بالثقل والانتفاخ والغازات، بالإضافة إلى ابتلاع كميات من الهواء تزيد من سوء الحالة”.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالأبحاث الحديثة تُظهر أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات أثناء تناول الطعام يؤثر على الجهاز العصبي اللاإرادي، فيقلل من كفاءة الهضم وامتصاص العناصر الغذائية الدقيقة. ومع الوقت، يدخل الجسم في حلقة مفرغة من بطء الأيض والإفراط في تناول الطعام.
"نسيان الطعام": عندما لا يتذكر الدماغ أنه أكل
تُظهر دراسة لجامعة جنوب كاليفورنيا أن الدماغ يكوّن ما يسمى بـ"الإنجرامات الغذائية" — وهي سجلات عصبية تمكّنه من تذكّر ما تناوله الإنسان والشعور بالشبع بعد الأكل. لكن حين يكون الانتباه مشتتًا بسبب الشاشة، يفشل الدماغ في تسجيل هذه الذاكرة الغذائية، فيشعر الشخص بالجوع بعد فترة قصيرة وكأنه لم يأكل أصلًا.
ويُعرف هذا التأثير بـ"نسيان الطعام"، وهو أحد الأسباب الخفية وراء الإفراط المستمر في تناول الوجبات الخفيفة، خصوصًا الأطعمة المصنعة والسريعة التي تُستهلك دون وعي.
العادة التي تخطف متعة الأكل
الطعام ليس مجرد تغذية، بل تجربة حسية ونفسية كاملة. والانشغال بالهاتف يحرم الإنسان من التفاعل مع النكهات والروائح وتقدير ما يأكله، فيضيع جزء مهم من العلاقة الصحية مع الغذاء.
يقول خبراء الصحة إن تناول الطعام بوعي — بعيدًا عن الشاشات — يساعد على تنظيم الشهية وتحسين المزاج وجودة الهضم، كما يعزز من إحساسنا بالامتنان والاستمتاع.
الاستخدام المفرط للهاتف أثناء الأكل ليس مجرد عادة اجتماعية سيئة، بل سلوك يربك توازن الجسد والعقل، ويؤثر على الهضم والوزن والمزاج العام. لذا ينصح الخبراء بأن تكون المائدة خالية من الشاشات، وأن يعود الإنسان إلى فطرته الأولى في التلذذ بالطعام دون تشويش رقمي.