في زمن تتحول فيه تفاصيل الحياة الشخصية إلى "ترند"، أصبحت الخصوصية هدفًا مباحًا، والأسرار سلعة يتداولها الجميع بلا وعي، بين زواج وطلاق وموت وأزمات شخصية، تتسابق المنصات ووسائل الإعلام أحيانًا لنشر ما لا يعني الناس، تحت شعار "حق الجمهور في المعرفة"، بينما يتآكل في المقابل أحد أهم القيم التي دعا إليها الدين والضمير الإنساني: حرمة الخصوصية.
حذَّر الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، من ظاهرة ما وصفه بـ "حفلات التنصت الرقمية"، مؤكدًا أنها تمثل شكلًا جديدًا من أشكال التعدي على الحرمات الشخصية، خاصة مع شيوع ثقافة "التلصص" و"الفضول" التي جعلت من حياة المشاهير مادة يومية للاستهلاك والتداول.
وأوضح أن هذا السلوك يخالف تعاليم الإسلام التي جاءت واضحة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12].
وأشار إلى أن النهي عن التجسس والغيبة هو أصل في صيانة الأعراض وحفظ كرامة الإنسان، وأن مجرد متابعة هذه الأخبار أو البحث عن تفاصيلها يُعد من صور الرضا بالغيبة، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: "مَن تتبّع عورةَ أخيه المسلم تتبّع الله عورتَه، ومَن تتبّع الله عورتَه يفضحه ولو في جوف بيته".
ويؤكد د. هشام أن تحويل الحياة الخاصة للأفراد إلى "سبق صحفي" يمثل انحرافًا عن رسالة الإعلام الحقيقية، التي يجب أن تكون موجهة لخدمة الصالح العام، لا لتغذية الفضول الجماعي. كما أشار إلى أن أخلاقيات المهنة الإعلامية تفرض احترام خصوصية الأفراد وعدم استغلال أزماتهم الشخصية كوسيلة لجذب التفاعل أو زيادة المشاهدات.
ويضيف أن هذا السلوك لا يضر بالمشهور وحده، بل يخلق مناخًا عامًا من اللهو والتشتت، حيث ينشغل الناس بـ"القيل والقال" على حساب القضايا الجادة التي تمس حياتهم ومستقبلهم، مشيرًا إلى أن "الوقت الذي يُهدر في تتبع خصوصيات الناس، هو من أعمارنا التي سنُسأل عنها".
واختتم بقوله إن الواجب الشرعي والمهني يقتضي الكفّ عن المتاجرة بخصوصيات الناس، مؤكدًا أن الارتقاء بالوعي الجمعي يبدأ من الجمهور نفسه، حين يختار أن يُعرض عن اللغو ويترك ما لا يعنيه، مصداقًا لقول النبي ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
في عصر التكنولوجيا والفضاء المفتوح، ليست البطولة في معرفة أسرار الآخرين، بل في حفظ حرماتهم… فكما يقول الدكتور هشام ربيع: "الستر عبادة، والاحترام خلق، ومن فقدهما خسر إنسانيته قبل دينه."