اكتئاب ما بعد الولادة لدى الرجال.. معاناة صامتة خلف باب البيت

اكتئاب ما بعد الولادة لدى الرجال.. معاناة صامتة خلف باب البيتاكتئاب ما بعد الولادة لدى الرجال.. معاناة صامتة خلف باب البيت

منوعات15-11-2025 | 20:01

لطالما ارتبط اكتئاب ما بعد الولادة بالأمهات فقط، باعتباره نتيجة مباشرة للتغيرات الجسدية والهرمونية والنفسية التي تمر بها المرأة بعد إنجاب طفل جديد. لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأ الطب الحديث يكشف جانبًا آخر ظل طويلًا في الظل: الرجال أيضًا قد يصابون ب اكتئاب ما بعد الولادة.

ورغم أن أعراضه تتشابه كثيرًا مع اضطرابات الأم بعد الولادة، إلا أنه غالبًا ما يُهمل، لأن المجتمع لا يمنح الرجل مساحة للبوح أو الاعتراف بالتعب النفسي، مما يجعل التجربة أكثر تعقيدًا وصمتًا.

لم يعد اكتئاب ما بعد الولادة مشكلة نسائية بحتة. منظمة الصحة العالمية والعديد من الهيئات الصحية الدولية أكدت أن نسبة تصل إلى 10% من الآباء الجدد يعانون من أعراض اكتئابية خلال الأشهر التالية لولادة طفلهم. وتشير دراسات منشورة في Journal of Affective Disorders إلى أن هذه النسبة قد ترتفع في الفترة بين الشهر الثالث والسادس بعد الولادة، وهي مرحلة يزداد فيها الإرهاق والمسؤوليات.

ورغم أن الرجل لا يمر بالتغيرات الهرمونية ذاتها التي تواجهها المرأة، إلا أنه يواجه ضغوطًا نفسية لا تقل تأثيرًا، أهمها:

التحول المفاجئ إلى دور الأب.

زيادة المسؤوليات المادية والأسرية.

اضطراب النوم بسبب رعاية المولود.

القلق من الفشل في الدور الجديد.

تغيّر شكل العلاقة الزوجية.


هذه العوامل تخلق بيئة نفسية معقدة قد تولّد حالة اكتئاب صامت، تظهر في شكل غضب، انسحاب، أو فقدان الاهتمام بدلًا من البكاء والانهيار.

وتشمل الأعراض الأكثر شيوعًا لدى الآباء:

الحزن المستمر والشعور بالفراغ

الأرق أو النوم المفرط

فقدان الشغف بالأشياء المعتادة

تراجع الارتباط العاطفي بالطفل أو الشريكة

الشعور بالذنب والعجز

الميل للانعزال أو الانفجار الغضبي


ورغم وضوحها، إلا أن كثيرًا من المجتمعات — خاصة العربية — لا تعترف بأن الأب قد يمر بهذه الأزمة، فيظل يعاني وحده دون تشخيص، ودون دعم، ودون حتى أن يلاحظ أحد ما يحدث.

وتشير مراجعة عالمية لـ 47 دراسة شملت 20 ألف أب، إلى أن 8.4% من الرجال يعانون من اكتئاب خلال السنة الأولى من حياة الطفل. وترتفع النسبة إذا كانت الأم تعاني من ال اكتئاب أيضًا، ما يجعل البيئة الأسرية أكثر هشاشة.

في ظل هذا الغياب للتوعية، تتحول الأبوة بالنسبة للبعض إلى اختبار قاسٍ، يبدأ بمشاعر جميلة لكن يرافقها ضغط نفسي هائل، لا يجد الأب مساحة حقيقية للاعتراف به.


توضح زينب مهدي، أستاذة علم النفس والعلاقات الأسرية، أن اكتئاب ما بعد الولادة لدى الرجال “حقيقي ومثبت طبيًا، لكنه غير معترف به مجتمعيًا”. وتشير إلى أن الرجل غالبًا ما يُحمَّل مسؤولية إضافية أثناء فترة ما بعد الولادة، فيتحول من شريك إلى داعم كامل دون أن يتلقى أي دعم نفسي مقابل ذلك.

وتقول: "الرجل يحتاج إلى مساحة آمنة للبوح مثل الأم تمامًا. تجاهل مشاعر الأب لا يساعد الأسرة، بل يزيد التوتر والضغط داخل البيت. الدعم النفسي للأب ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية استقرار الأسرة."

وتوصي بدمج الآباء في جلسات التحضير النفسي قبل الولادة، وتقديم استشارات أسرية مشتركة، إلى جانب حملات إعلامية تُخاطب الرجال دون وصم أو اتهام بالضعف

أضف تعليق