مفهوم غير مسبوق للصحة وضعته منظمة الصحة العالمية ، تخطى المعنى المتعارف عليه، ويقول عالج نفسك بالقراءة والتأمل، والتعريف الجديد للصحة يشير إلى أنه حالة من اكتمال السلامة بدنيًا وعقليًا واجتماعيًا، وقد يتساءل البعض عن علاقة علاج النفس والروح بالقراءة والتأمل وتنشيط الخيال؟ والإجابة ببساطة أن الاتصال عبر تصفح تجارب الآخرين والاطلاع على أوراق التاريخ الإنسانى، التى تعبر عن الآلام والمآسى، تصبح بمثابة عزاء لكل متوتر ومكتئب، وتجبرالقلوب.
و العلاج بالقراءة فى الزمن الماضى كان أكثر حضورًا وفاعلية، واستخدمها أطباء النفس فى علاج مرضاهم، وسجل أثارًا إيجابية فى تعافى المرضى، ولكن مع تزاحم القراءات على مواقع التواصل الاجتماعى وتزايد إصدار الكتب الرقمية والورقية، يحذرنا علماء النفس والدين والاجتماع من القراءة بعشوائية، ولابد من انتقاء أنواع القراءة.
وتتجلى معجزة أسلوب الحكى فى منح المتلقى خيالًا خصبًا يتجاوز به الخيال التقليدى، ويرسم له رؤية أعمق وأوسع، ويحفز حيوية الفرد، وتتسق الباحثتان "سوزان الدركين" و"إيلى بيرتود" مع نفس الفكرة، وأصدرتا كتابًا بعنوان "العلاج بالرواية: دليل العلاجات الأدبية من الألف إلى الياء"، ويعد واحدًا من أشهر الكتب المهتمة بالقراءة كعلاج، وظهرت مدرسة فى لندن تتبنى فكرتهما، وعالجت مرضى نفسيين بواسطة سماعهم قراءة لكتاب ما.
يعانى الإنسان من أمراض جسدية تلازم أحزانه ومخاوفه، منها على سبيل المثال متلازمة التعب المزمن ومتلازمة القولون العصبى وفرط حركة الأمعاء والصداع النصفى، والحل الأمثل لعلاج كل هذه الأمراض فى يد الإنسان، وهو البحث عنه فى ثنايا نفسه، وأسرع طريقة للوصول إليها استمراره فى عملية التعلم والتأمل، وبدوره يجعل القلب يرق ويملئ النفوس حبا.
وضرورة الحديث عن علاج حالات الاكتئاب بالقراءة فى هذا التوقيت، يوضح أهمية القراءة بجانب الاكتشافات الدوائية والطرق الحديثة لعلاج القلق، خاصة بعدما ارتفعت نسبة الإصابة بين سكان الأرض بالأمراض النفسية، وقد فشلت وسائل عديدة فى السيطرة على غول الأكتئاب ، الذى يفترس نفوس وقلوب البشر فى هذا العصر، واستغل كذلك المشعوذين على مستوى العالم تفشى سوء الحالة النفسة بين الناس، وتلاعبوا بعقولهم لاسيما أصحاب النفوس الفارغة.
ويخاطب علماء الدين إنسان العصر ويخبرونه بتقديم غذاء الروح على غذاء الجسد، وغذاء النفس لا يصح إلا بقراءة آيات الله والسباحة فى سمائها، وتجربة السلف الصالح تؤكد لنا أن المعية مع الله من خلال التفكر والتأمل فى أسمائه وصفاته كانت وقودهم لتقدمهم على الأمم.