مكافحة الإيدز: فريق ألماني يكتشف أجسامًا مضادة لفيروس نقص المناعة

مكافحة الإيدز: فريق ألماني يكتشف أجسامًا مضادة لفيروس نقص المناعةصورة تعبيرية

منوعات2-12-2025 | 16:30

منذ ظهور وباء الإيدز عام 1981، لا يزال العلماء حول العالم يسابقون الزمن لإيجاد حلول علاجية ووقائية أكثر فعالية، وخاصة في مواجهة التنوع الجيني المعقد لفيروس نقص المناعة البشرية.

وفي تطور علمي واعد، أعلنت ألمانيا عن اكتشاف جديد يمنح الأمل بإمكانية تعزيز ترسانة مكافحة هذا الوباء.


44 مليون حالة وفاة في جميع أنحاء العالم، هذه هي الحصيلة المحزنة لمرض نقص المناعة “الإيدز” منذ ظهوره في عام 1981.

ويُعد الإيدز أحد أسوأ الأوبئة التي عرفتها البشرية حتى الآن. وعلى الرغم من أن عدد الوفيات الناجمة عنه انخفض بشكل مستمر بفضل التوعية والوقاية، لا يزال هناك أشخاص يفقدون حياتهم اليوم بسبب هذا المرض. وفي عام 2024، بلغ عدد الوفيات حول العالم نحو 630 ألف شخص. ولذلك، فإن الاكتشاف الذي توصل إليه مستشفى كولونيا الجامعي يُعد بارقة أمل في إمكانية التوصل إلى سلاح جديد في مواجهة الفيروس.

اختبار أكثر من 800 جسم مضاد لفيروس نقص المناعة البشرية

أجرى فريق البحث، بقيادة فلوريان كلاين، مدير معهد الفيروسات، فحصًا لعينات دم مأخوذة من 32 شخصًا. جميعهم مصابون بفيروس نقص المناعة البشرية، لكن أجسامهم طوّرت تلقائيًا – أي دون علاج – استجابة مناعية قوية وواسعة ضد الفيروس.

في المختبر، قام الباحثون باختبار ما يزيد عن 800 جسم مضاد مختلف مستخلص من تلك العينات، لمعرفة قدرتها على تحييد فيروسات HIV. وجذب أحد هذه الأجسام المضادة، الذي يحمل اسم 04_A06، اهتمام الفريق بشكل خاص، إذ يعمل على حجب الموقع الذي يرتبط من خلاله الفيروس بخلايا الجسم أثناء العدوى، وبالتالي يمنع دخول الفيروس إلى الخلايا. وعند تمكن فيروس نقص المناعة من الدخول إلى الخلية، فإنه يعيد برمجتها للتكاثر، الأمر الذي يؤدي على المدى البعيد إلى إضعاف جهاز المناعة.

مخطط بناء الجسم المضاد وفك شفرته

يوجد المخطط الجيني لبناء الأجسام المضادة في الجهاز المناعي البشري داخل الخلايا الليمفاوية B. وعند مواجهة تلك الخلايا لمسببات المرض، فإنها تنضج لتتحول إلى خلايا بلازمية تنتج كميات كبيرة من الأجسام المضادة، وهذه هي الآلية التي تم من خلالها تكوّن 04_A06. وتمكن العلماء من فك شفرة هذا المخطط واستنساخه.

وأوضح الفريق أن هذا يعني عدم الحاجة إلى سحب عينات دم من المرضى باستمرار، إذ يمكن الاستفادة من التركيب الجيني للجسم المضاد. ويتم نقل هذا التركيب إلى خطوط خلوية في المختبر لإنتاج الأجسام المضادة بكميات كبيرة، عبر توجيه خلايا أخرى للقيام بالمهمة قائلين لها: “يرجى إنتاج هذه الأجسام المضادة”.

04_A06 لإمكانية العلاج والوقاية

في تجارب أجريت على فئران تحمل مكونات من الجهاز المناعي البشري ومصابة بفيروس نقص المناعة، تمكّن الجسم المضاد 04_A06 من تحييد معظم الفيروسات المهاجمة بشكل كامل. وشملت التجارب نحو 340 نوعًا من فيروسات نقص المناعة البشرية، بما فيها أنواع كانت قد طوّرت مقاومة تجاه أجسام مضادة أخرى.

وشرح فلوريان كلاين قائلًا: “يتسم فيروس نقص المناعة بتنوع جيني كبير للغاية، والعديد من الأجسام المضادة تمتلك نشاطًا محدودًا ضد نسبة صغيرة من هذا التنوع، وهو ما يجعل العلاج أمرًا بالغ الصعوبة”. وأضاف أن هذا الجسم المضاد الجديد كان قادرًا على تحييد 98% من المتغيرات التي تم اختبارها معمليًا.

وأكد أن 04_A06 قد يساعد الأشخاص المصابين بالفعل، لأنه يمنع وصول الفيروس إلى الخلية عبر الالتصاق ببروتين غلاف الفيروس، مما يعطّله عن إصابة الخلية المستهدفة. كما أشار إلى أن الفيروسات التي ترتبط بهذا الجسم المضاد تصبح أكثر وضوحًا أمام جهاز المناعة، مما يجعل القضاء عليها أكثر كفاءة داخل الجسم.

كما يمكن للجسم المضاد ذاته أن يُستخدم بهدف الوقاية من الإصابة، من خلال التقاط الفيروس قبل أن يبدأ في التكاثر، معتبرًا هذه الطريقة بمثابة “تحصين سلبي”، بخلاف التحصين النشط الذي يعتمد على لقاح يدرّب الجسم لإنتاج أجسام مضادة بنفسه، وهو لقاح غير متاح حتى الآن.

غياب لقاح الإيدز حتى الآن

رغم وجود أبحاث جارية على لقاحات mRNA، فإن الفكرة الحالية تعتمد على تحفيز الجهاز المناعي لإنتاج أجسام مضادة باستخدام بروتين من غلاف فيروس HIV، لكن لم يتم اختبار هذه التقنية سوى على نوع واحد من الفيروس حتى الآن. وحسب كلاين، فإن تحفيز الجسم على إنتاج أجسام مضادة قوية وواسعة المدى عبر اللقاحات النشطة لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا.

الأدوية الوقائية المتاحة وتحديات استخدامها

تُستخدم حاليًا عدة أدوية على شكل أقراص أو حقن للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية، وقد أثبتت نجاحًا كبيرًا، إلا أن معظمها يحتاج إلى تناول يومي. كما تم مؤخرًا الموافقة على مستحضرات طويلة المفعول ذات تأثير ممتد مثل “ليناكابافير” في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكنها غير متاحة تجاريًا في أوروبا حتى الآن.

وأشار كلاين إلى أن الوقاية بالأجسام المضادة قد تُغني عن الحاجة إلى الأقراص اليومية، إذ تصل احتمالية منع الإصابة إلى أكثر من 90%. ويتوقع أن يتم أخذ جرعات هذا التحصين كل 6 أشهر تقريبًا.

وعلّقت ألكسندرا تروكولا، مديرة معهد الفيروسات الطبية بجامعة زيورخ، على النتائج قائلة إن: “04_A06 هو أحد أقوى ممثلي فئة الأجسام المضادة الواسعة ضد فيروس HIV”. وأضافت أن هذا الجسم المضاد يمكنه منفردًا تحقيق فاعلية لا تُدرَك عادة إلا عند استخدام مجموعات من الأجسام المضادة معًا. وأكدت أن “القوة” هنا تعني أنه حتى بجرعات قليلة، يمكنه إحداث تأثير كبير، وهو ما قد يجعله مناسبًا مستقبلًا ليُستخدم في صورة دواء يُعطى عبر الحقن، رغم محدودية الجرعات الممكن إعطاؤها بهذه الطريقة، مقارنة بصعوبات تكرار الحقن مرات كثيرة، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

من جانبه، صرّح كريستوف شبينر، رئيس قسم الأمراض المعدية في مستشفى “إيزار” التابع لجامعة ميونيخ التقنية، بأن الدراسة تقتصر حتى الآن على نتائج مختبرية، ولا يمكن تحويلها مباشرة إلى نتائج سريرية على البشر في الحياة الواقعية. وشدد على ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث حول الجرعة، والتحمّل الجسدي، والفعالية العلاجية.

وأكدت تروكولا أيضًا أنه لا يمكن حتى الآن الجزم بأن هذا الجسم المضاد سينجح عند الاستخدام السريري، مضيفة في الوقت ذاته أن: “المؤشرات الأولية تبقى واعدة للغاية”.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان