في تاريخ العرب، لم يتمكن عدو من السيطرة على وطن بمواجهة مباشرة، دائما ما لعبت الخيانة دورا محوريا في سقوط الأوطان، واليوم يحتفل قطاع غزة بـ "إعدام ميت"، وتثبت غزة بوما بعد يوم، أنه لا مكان فيها للخيانة ولا للمتعاونين مع الاحتلال، وأن شعب فلسطين موحّد الصفوف، تجلي ذلك في سماع الزغاريد في شوارع القطاع عقب إعلان خبر مقتل ياسر أبو شباب في رفح الفلسطينية، التي كان يحتمي فيها تحت سيطرة قوات الاحتلال، لتكتمل المقولة «بإيدي أطهرك من الخيانة».
ولأن الخائن لا شرف له، فقد غسلت قبيلة الترابين يدها من دماء ياسر أبو شباب، وأصدرت بيانا، جاء فيه: «لن نكن يومًا غطاءً لأي من تجار الفتن أو المتعاونين مع الاحتلال، رغم محاولات البعض الزجّ باسم قبيلة الترابين في مسارات لا تمتّ لأخلاقها ولا لتاريخها بصلة. ونؤكد أن مقتل ياسر أبو شباب على يد المقاومة مثّل بالنسبة لأبناء الترابين نهاية صفحة سوداء لا تعبّر عن تاريخ القبيلة ولا عن مواقفها الثابتة. وتعتبر القبيلة أن دم هذا الشخص — الذي خان عهد أهله وتورط في الارتباط ب الاحتلال — قد طوى صفحة عارٍ عملت القبيلة على غسلها بيدها وبموقفها الواضح».
وتضاربت الروايات حول كواليس مقتل ياسر أبو شباب، فمن جانبها قالت إسرائيل إنه "تم القضاء على زعيم الميليشيا المسلحة إلى جانب نائبه غسان الدهيني في صراع داخلي، دون الإشارة إلى ما إذا كان مقتله على يد عناصر من مجموعته المسلحة، أو من عشيرته".
واعترفت إسرائيل بفشلها في إنقاذ أبو شباب، عقب نقله إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع جنوبي البلاد، مؤكدة أن مقتل أبو شباب "تطور سيء" بالنسبة للسيناريوهات الإسرائيلية التي وضعها الجنرالات لزعزعة الاستقرار في القطاع، معترفين بانتهاء أخر أداة لحكمهم في القطاع.
وكانت فصائل المقاومة الفلسطينية قد وصفته بأنه "خائن مأجور"، مؤكدة أن دمه ودم كل من ينتمي لمجموعته "مهدور" من قِبل الفصائل كافة. فقد كانت مجموعته تتلقى دعمًا ماليًا ولوجستيًا من إسرائيل وتعمل بالتنسيق معها.
ويذكر أن إبن الـ 32 خريفا، سُجِن قبل 7 أكتوبر 2023 في قطاع غزة، بتهمة الاتجار بالمخدرات والسرقة، وخلال فترات الفوضى اللاحقة ظهر كقائد مجموعة مسلحة تُعرَف شعبياً باسم «القوات الشعبية» أو «ميليشيا أبو شباب». ومنذ ذلك الحين لاحقته الفصائل الفلسطينية بتهم الخيانة والتخابر مع إسرائيل.
وتجرد ياسر أبو شباب من كل معنى للانتماء والولاء. فقد خان الوطن ونهب المساعدات الإنسانية، ليصبح ما بين طرفة عين وانتباهة، هدفًا لكل فلسطين. فخيانة ياسر أبو شباب لم تكن مجرد فعل عابر، بل جريمة أخلاقية وتاريخية ووطنية لم تسقط بتقادم الزمن، وانتهاء الحرب وإحلال السلام. فقد خان الوطن الذي وفتح له أبواب الأمان والهوية والذاكرة.
طعنات الغدر التي سددها ياسر أبو شباب إلى قلب الوطن الفلسطيني، لا يمكن تبريرها، فقد وقف في ظلام الليل مصطفا مع الأعداء، ومد يده لعدو وطنه، واختار بإرادته أن يكون أداة في يد من يريد بفلسطين وأهلها بسوءًا. وتحول إلى عين تتجسس لصالح العدو، وظهرٍ مستندا على الاحتلال، وأطلقت إسرائيل طائراتها ومسيراتها وجنودها لحماية ياسر أبو شباب، ورجحت كفته أمام الفصائل الفلسطينية، وجعلت له الغلبة في معارك كثيرة.
ونتساءل اليوم، أين يدفن جثمان ياسر أبو شباب، بالتأكيد لن يدفن في مدافن قبيلة الترابين التي تبرأت منه، ولن ترضى الفصائل الفلسطينية التي لاحقته، بأنه يدفن في مقابرها، وأغلب الظن أنه سوف يدفن مع جثامين المحتجزين الإسرائيليين، فقد تشابه معهم في الولاء لعلم الكيان، رغم مقتله ومقتلهم على أرض فلسطين. وإن كانت غزة أرض المحيا، فلن تكون أرض الممات.
وتجوب في أذني كلمات كبار المسؤولين الذين تمسكوا بالتراب الوطني، ودفعوا الملايين، وكتبوا في وصاياهم، وتنازلوا عن جزء من ثرواتهم، في مقابل أن يدفنوا في أرض أوطانهم، لتبقى بلادهم أرض المحيا والممات.
وتبقى الحقيقة المؤكدة أن المشروع الإسرائيلي فشل، و«الخيانة لا تمنح صاحبها قوة» بل تكشف عورته أمام التاريخ، وفي النهاية، لن ينتصر الاحتلال بالخيانة ولا بغيرها، ولا ينجو الخائن من مصرعه، ويبقى القدس أكبر وأطهر من كل من حاول المتاجرة به.