في عالمٍ تزداد فيه ضغوط الحياة ويقل فيه الشغف بالحركة، يكشف علم الأعصاب أن كراهية الرياضة ليست صفة دائمة، بل برمجة ذهنية قابلة للتغيير.
ووفقًا لتوصيات حديثة من استشاري الطب النفسي الدكتور محمد فريد، ومدرب اللياقة البدنية كابتن هاني سلامة، يمكن خداع الدماغ بطرق ذكية تجعله يربط التمارين الرياضية بالمتعة والمكافأة، لا بالإجبار والتعب.
علميًا، يفرز الدماغ أثناء التمرين مواد كيميائية مسؤولة عن السعادة مثل الدوبامين، الإندورفين، والسيروتونين وهي المواد ذاتها التي تنشط عند الفوز، أو الاستماع إلى الموسيقى المفضلة، أو تحقيق إنجاز شخصي، لكن المشكلة أن الدماغ لا يبدأ في إفرازها إلا بعد تجاوز حاجز المقاومة الأول.
إعادة برمجة الدماغ لحُبّ الرياضة
يوضح الدكتور محمد فريد أن جوهر الفكرة يكمن في تحويل الرياضة من واجب ثقيل إلى تجربة منتظرة، من خلال إعادة تشكيل الروابط الذهنية والعاطفية المرتبطة بها.
ويشمل ذلك ربط التمرين بموسيقى محببة، أو بودكاست لا يتم الاستماع إليه إلا أثناء الحركة، ما يجعل الدماغ يتشوّق للتمرين كوسيلة للوصول إلى المتعة.
كما ينصح بتبسيط البداية إلى أقصى حد، مثل ارتداء الملابس الرياضية فقط دون التفكير في التمرين كاملًا، أو الالتزام بخمس دقائق حركة، وهي مدة كافية لبدء إفراز الإندورفين الذي يدفع للاستمرار تلقائيًا.
تغيير الإطار الذهني يصنع الفارق
اللغة الداخلية تلعب دورًا حاسمًا في تحفيز الدماغ؛ فاستبدال عبارات مثل "يجب أن أتمرن" بعبارات إيجابية مثل "أتحرك من أجل صحتي العقلية" يُغيّر استجابة الدماغ ويقلل مقاومته.
كما أن التركيز على الشعور بعد التمرين من راحة ونشاط وفخر، يُرسّخ صورة ذهنية إيجابية تدفع لتكرار التجربة.
الرياضة كلعبة وليست عقابًا
من جانبه، يؤكد كابتن هاني سلامة أن اختيار نوع التمارين المناسب لطبيعة الدماغ يُسرّع عملية التعلّق بالرياضة.
فالأنشطة الإيقاعية مثل الجري أو ركوب الدراجة مع الموسيقى تحفز إفراز الدوبامين، بينما تُنشّط تمارين المهارة والتحدي مثل التسلق والملاكمة نظام المكافأة في الدماغ.
كما أن التمارين الجماعية والتنافسية تُخفف الإحساس بالمجهود، عبر إطلاق مواد كيميائية مرتبطة بالمرح والانتماء الاجتماعي.
أما التمارين في الهواء الطلق، فتستفيد من " الانحراف الحسي " حيث ينشغل الدماغ بالمحيط الطبيعي بدلًا من التركيز على التعب.
مرونة الاختيار سرّ الاستمرارية
يشدد الخبراء على أهمية التخلّي عن الكمالية وعدم تأنيب النفس عند التقصير، فكل حركة تُحتسب إنجازًا. كما يُنصح بتغيير نوع التمرين وفق الحالة المزاجية، للحفاظ على علاقة إيجابية بين الدماغ والنشاط البدني.
في الخلاصة، حبّ الرياضة ليس مسألة انضباط فقط، بل حيلة نفسية ذكية، ومع القليل من الوعي، والاختيار المرن، وربط الحركة بالمكافأة، يبدأ الدماغ في طلب التمرين باعتباره مصدرًا للمتعة والطاقة، لا عبئًا يجب الهروب منه.