قد يلجأ بعض الآباء والأمهات، بدافع المزاح أو عند نفاد الصبر، إلى إعطاء أطفالهم أوامر عكسية ظنًا أنها طريقة خفيفة لتوجيههم أو السيطرة على الموقف.
لكن ما يبدو بسيطًا أو مضحكًا في لحظته، قد يترك أثرًا سلبيًا عميقًا على سلوك الطفل ونفسيته.
في هذا التقرير، توضح دكتورة ماجي الشافعي، أخصائي الطب النفسي وعلاج الإدمان، خطورة تكرار هذا الأسلوب، وعلاقته باضطراب التحدي والمعاندة لدى الأطفال.
تشير دكتورة ماجي إلى أن تكرار الأوامر العكسية مع الأطفال، سواء بدافع المزاح أو الغضب، قد يساهم في ترسيخ سلوكيات غير صحية لديهم. فحين يُطلب من الطفل فعل عكس المطلوب على سبيل الضحك، يتعلم مع الوقت أن مخالفة التعليمات أمر مقبول، بل وقد يمر دون تصحيح أو عواقب واضحة.
وتوضح أن اضطراب التحدي والمعاندة (ODD) هو نمط سلوكي متكرر يتمثل في عناد شديد، ورفض دائم للأوامر، وتنفيذ عكس المطلوب بشكل متعمد، إلى جانب الجدال المستمر مع الكبار وكسر القواعد، بما يسبب مشكلات واضحة في المنزل أو المدرسة.
وتؤكد أن ليس كل طفل عنيد يعاني من هذا الاضطراب، إذ يُشخّص فقط عندما يكون السلوك مستمرًا ومؤثرًا بشكل سلبي على حياة الطفل وعلاقاته.
وترجع أسباب هذا الاضطراب غالبًا إلى مزيج من طبيعة الطفل نفسه، مثل الاندفاعية أو صعوبة التحكم في الغضب، والعوامل البيئية المحيطة به، ككثرة الأوامر اليومية، والتوتر داخل الأسرة، وعدم ثبات أسلوب العقاب أو وضوح القواعد.
وفي بعض الحالات، قد يترافق اضطراب التحدي والمعاندة مع اضطرابات أخرى مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه أو القلق.
وتلفت دكتورة ماجي إلى أن من أكثر الأساليب التي تغذي سلوك العناد هو استخدام الأوامر العكسية، حيث يفهم الطفل أن تنفيذ العكس أمر مقبول ولا يستدعي التصحيح، ما يعزز لديه روح التحدي بدلًا من تقويم السلوك.
أما عن كيفية التعامل مع المشكلة في بدايتها، فتنصح بإعادة صياغة الأوامر بشكل إيجابي وواضح، لأن عقل الطفل لا يستجيب جيدًا للجمل التي تبدأ بالنفي. فبدلًا من قول “لا تجري”، يُفضل توجيه الطفل بعبارة مثل “امشِ بجانبي”، وبدل “لا تزق”، يمكن القول “خلّي إيدك جنبك”.
كما تشدد على أهمية تقليل عدد الأوامر خلال اليوم، والاكتفاء بتعليمات قصيرة وواضحة، مع الالتزام بقواعد ثابتة وردود فعل متسقة.
وتؤكد أن اللجوء إلى مختص يصبح ضروريًا إذا كان السلوك شديدًا، أو تسبب في أذى للطفل أو لمن حوله، أو في حال تكرار شكاوى المدرسة، أو ظهور تراجع ملحوظ في التحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية.
فالتدخل المبكر، بحسب دكتورة ماجي، يصنع فارقًا كبيرًا، وغالبًا ما يشمل تدريب الوالدين، وبرامج تعديل السلوك، ودعمًا نفسيًا مباشرًا للطفل.
وفي ختام حديثها، توضح أن الهدف ليس توجيه اللوم، بل رفع الوعي بأساليب التربية اليومية، مؤكدة أن ما يبدو بسيطًا أو عابرًا قد يكون له تأثير طويل المدى على تكوين شخصية الطفل وسلوكه.