ارتفاع الأسعار
ما أظن الحكومة تستطيع أن تواجه وحدها هذه الموجة من ارتفاع الأسعار ، وهي عندما قدمت مشروع ميزانيتها اقتصرت علي « تحريك » عدد ضئيل من السلع، لكن ما لبث التجار والحرفيون أن انتهزوا الفرصة فعمدوا إلي رفع أسعار السلع التي يتاجرون فيها وأجور الخدمات التي يؤدونها حتي ولو لم تكن لها أي صلة من قريب أو بعيد بتلك السلع التي أصابها التحريك.
وعلينا نحن الجمهور أن نحاول من جانبنا أن نحمي أنفسنا من موجة الغلاء ، وأنا أعرف أن ذلك ليس بالأمر اليسير ولا هو بالكلام المستحب لدي الملايين التي تئن من ارتفاع الأسعار وقلة الحيلة في زيادة الدخل، لكن الأمر مع ذلك يتطلب مزيدًا من التكرار حتي نتعلم كيف نتخلص من أنماط الحياة التي كنا نحياها في النصف الأول من هذا القرن ونعرف كيف نعيش في أواخره.
وأنا أقصد أن الكرم والإسراف والترفع عن العمل اليدوي المنزلي والتظاهر الكاذب والتوكل علي الغيب كانت صفات شائعة بيننا عندما كنا لا نزيد علي عشرين مليونا من الأنفس وكانت الحياة سهلة طبيعية والأرض تجود بما نحتاج إليه وما يفيض، لكن الأحوال تبدلت والعالم كله تغيرت أنماط حياته ونحن لا زلنا نعاني من آثار هذه الصفات وسوف تجبرنا الأيام علي أن نعرف كيف نقتصد ولا نبذر وكيف نعمل بدلاً من ترك أعمال كثيرة يؤديها لنا الآخرون مثل كي الملابس أو إصلاح الصنابير أو دهان النوافذ والأبواب.
وفي أمريكا وأوروبا الغربية حيث يكسب الناس أضعاف ما نكسب، يصنعون القهوة في بيوتهم ومكاتبهم بأيديهم ويقدمونها لأنفسهم وضيوفهم ولا يخجلون، وهم يصلحون بأنفسهم ما تلف من الأثاث والأدوات الكهربائية وحتي السيارات وهم لا يستأجرون خدما في بيوتهم إلا إذا كانوا من أصحاب الملايين وهم يعيشون حياة منظمة، صارمة، لا مجال فيها للبذخ أو الإسراف.
وشيئا فشيئا سوف نتعلم الاستغناء عن كثير من أوجه الإنفاق، فنحن مجبورون علي ذلك بسبب الارتفاع المذهل في أسعار السلع في العالم كله، مضافا إليه ضيق الرزق في وطننا الذي عاني من كثرة الحروب، ومن كثرة الإهمال والتخطيط طوال ربع قرن مضي من الزمان، فلنراقب أنفسنا قبل أن نرمي علي الحكومة أعباءنا وما هي بقادرة علي تحملها إلا إذا حدثت معجزة من السماء فتفجرت صحارينا الصفراء ماء ونفطا وفاضت بعد ذلك علينا سمنًا وعسلاً وما أظننا سنظل نعيش علي الأمل في المعجزات.
محمود عبد المنعم مراد
من مقاله الأسبوعي (شخصيات وحوادث)
==========================================
مشاكلنا.. نحلها بأنفسنا
نحن الذين نخلق المشاكل ثم نبكي عليها وعلي حظنا ونتحسر علي أيام زمان، مع أن الحلول في أيدينا والتجارب جاهزة عندنا وفي بلاد أخري علي بُعد خطوات منا.
ومن المشاكل التي نفتح عليها أعيننا في كل صباح ثم نغلقها بعد ذلك، هي مشكلة البحث عن شقة فاضية!
وهي حديث الناس في شقة مكدسة بالسكان وفي الشوارع والمساجد التي تقوم حتي الآن بفائدة مزدوجة فهي بيوت للعبادة وهي أيضا مأوي لمن لا سكن له برغم المحاولات الجادة والناجحة إلي حد كبير لبناء مساكن الإيواء العاجل والآجل والشعبي والطلابي وأسماء كثيرة نسمعها يوميًا، والمشكلة الكبري في حياتنا أننا نقف مكتوفي الأيدي بإرادتنا وننتظر من الدولة كل شيء.. أن تحدد مساحة الأرض التي يقام عليها السكن ثم ننتظر منها أن تنشئ المرافق وتفتح الشوارع وتضيئها وتنظفها وتحرسها، ثم بعد ذلك عليها أن تفرش كل شقة من المطبخ إلي الصالون، ومن حجرة النوم إلي الأنتريه، ونضع مفتاح كل ذلك في حلقة ذهبية تقدمها لنا ثم بالرفاء والبنين.. لنخلق لهذه الدولة مشاكل أخري أكثر حدة.
والذي يشاهد مصر علي الخريطة يجد أن مساحتها واسعة – مليون كيلومتر مربع – لكننا لا نستغل منها إلا 26 ألف كيلومتر فقط للزراعة، و14 ألف كيلومتر أخري للمباني، والباقي مازال حتي الآن صحراء برغم التقدم العلمي في الزراعة والتطور التكنولوجي في وسائل العمارة.
وحتي إذا أردنا أن نتجاوز هذه النسبة الضئيلة في المساحة التي تقيم عليها مساكننا والتي لا تزيد علي 4% فقط من مساحة بلدنا فإننا نتجه إلي الأرض الزراعية.. فكأننا نقيم المساكن بلقمة العيش التي نأكلها وليس بعرق الجبين.
والحل مازال في أيدينا بشرط أن يتخلص الناس من الإحساس بأن العلاقة بينهم وبين الدولة هي علاقة الأبناء القصر بولي الأمر.. وأن يعرفوا أو يعترفوا بأنهم قد بلغوا سن الرشد من 7 آلاف سنة، ويكفي بعد ذلك من الدولة أن تحدد مكان الأرض التي يقام عليها البناء في الصحراء، ولابد أن تكون أرضا صحراء وعلي الناس بعد ذلك أن يمشوا في مناكبها ليأكلوا من رزقه.
أعلم أن هناك قوانين تضغط علي عاتق القطاع الخاص فلا يستطيع أن يرفع حجر فوق حجر إلا بعد الحصول علي التراخيص وحصص الحديد والخشب والنسبة المقررة من الأسمنت، وفي ظل هذه الأزمة الطاحنة علينا أن نعيد النظر في القوانين وأن نضع القوانين الأخري موضع التنفيذ، منها الحد من الاتجار بالشقق المفروشة وعدم البناء علي الأرض الزراعية ومواد كثيرة موجودة في القانون ولكنها موءودة عند التنفيذ.
عادل البلك
نشر بمجلة أكتوبر في يناير 1980م – 1400هـ