حديث «الديون».. وحال «الجيوب»

حديث «الديون».. وحال «الجيوب»سـعيد صـــلاح

الرأى18-1-2026 | 14:43

بين تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء عن خفض الدين وما سبقها من سرديات للوزارء المعنيين بالاقتصاد، وبين واقع نعيشه بمر قليل وحلو أقل، تبقى هناك معضلة كبرى يجب أن ينتبه إليها صانع القرار وكل مسئول.

المعضلة الكبرى التي تواجهنا اليوم ليست فقط فى « الأزمة الاقتصادية » ذاتها فكل العالم الآن يعاني من أزمات كثيرة وثقيلة، بل المعضلة فى «الفجوة» الآخذة فى الاتساع بين ما تعلنه الحكومة من تحسن فى المؤشرات الكلية، وبين ما يلمسه المواطن على مائدة طعامه وفى فواتير خدماته، فكيف نحقق التوافق بين الخطاب السياسي المفتخر بالإنجازات، وبين أنين الشارع من ضغوط الحياة؟
الدكتور مصطفى مدبولي ، رئيس مجلس الوزراء ، منذ عده أيام أدلى بتصريحات تحمل نبرة تفاؤل قوية، مؤكدًا أن الحكومة تستهدف خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لأقل مستوياتها منذ 50 عاماً، ومشيرًا إلى تراجع معدلات التضخم مقارنة بالعامين الماضيين.

من الناحية الفنية وحسب كلام الخبراء والمتخصصين، الحكومة «صادقة»، والأرقام تشير بالفعل إلى تباطؤ فى وتيرة ارتفاع الأسعار، لكن هنا تكمن المشكلة، لأنه وببساطة شديدة، المواطن لا يعترف بـ «تباطؤ الارتفاع»، بل ينتظر «انخفاض الأسعار » أو على الأقل استقرارها عند مستويات تتناسب مع دخله.

نعلم جميعا أن العالم فى السنوات القليلة الماضية وخاصة مع بداية هذا العام، يجد نفسه أمام مشهد جيوسياسي واقتصادي معقد، وصفه الكثيرون بأنه قد يكون «نهاية النظام العالمي القديم» الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية، وفى ظل هذه التحولات الكبرى، تبرز أهمية تعزيز الجبهة الداخلية وتحصين الاقتصاد الوطني ، وهو ما تسعى إليه الحكومة جاهدة عبر سياسات وإجراءات تهدف إلى العبور بالوطن إلى بر الأمان ، لكن أعتقد أن التحدي الأكبر الذي يواجه صانع القرار اليوم ليس فقط فى تحقيق الأرقام المستهدفة، بل فى خلق حالة من التناغم واليقين بين الخطاب السياسي الذي يرصد المؤشرات الكلية، وبين الواقع اليومي الذي يعيشه المواطن فى ظل ضغوط تضخمية عالمية لا تخفى على أحد.

لقد قدم الدكتور مصطفى مدبولي ، رؤية طموحة تعكس إرادة الدولة فى إصلاح المسار المالي ، حيث أعلن عن خطة شاملة لخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لأدنى مستوياتها منذ عقود، هذه التصريحات لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى مؤشرات رصدت انخفاض نسبة الدين بالفعل إلى 84% العام الماضي، مع توقعات بمزيد من التحسن، وهذا التوجه الحكومي يمثل « حائط صد » ضرورياً أمام التقلبات العالمية، فالدولة التي تنجح فى السيطرة على مديونيتها هي الأقدر على امتلاك قرارها الاقتصادي، ومع ذلك، يظل التساؤل الجوهري الذي يطرحه الخبراء والمواطنون على حد سواء:

كيف نترجم هذا النجاح المالي إلى تحسن ملموس فى جودة حياة المواطن؟

قبل أيام شاهدت مداخلة تلفزيونية للدكتور محمود محي الدين، وقد تحدث الرجل كونه خبيرا اقتصاديا عالميا وأحد المسؤولين الكبار فى صندوق النقد الدولي، حديثا لم يخل من الإماءات والإسقاطات، قال ببساطه إن الاقتصاد فى أساسه «علم وعمل وجهد متراكم» وأشار إلى تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي، وهو ما نجحت فيه الحكومة، والخطوة الأولى والضرورية، لكنها تحتاج إلى قنوات اتصال فعالة لتصل إلى «جيب المواطن».

وتحدث أيضا عن معادلة خفض الدين، التي تحدث عنها الدكتور مدبولى وشرحها من وجهة نظره، قائلا إنها تقوم على طرفين: «البسط» وهو تقليص الاستدانة، و«المقام» وهو زيادة الناتج المحلي، وأنا أرى،ليس دفاعا عن الدكتور مدبولي أو رفضا لتصريحات الدكتور محي الدين، أن الحكومة بالفعل تتبنى استراتيجية متوازنة تهدف إلى توسيع المقام عبر تشجيع الاستثمارات ودعم القطاع الخاص، وهو المسار الذي يتوافق مع مطالب الخبراء لضمان استدامة النمو.

ولكن هذه الاستراتيجية التي تتبناها الحكومة، والتي ترجمت مؤخرا إلى «سردية اقتصادية» متكاملة تشمل التنمية البشرية والتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر، هي فى الواقع إطارات فكرية ليس أكثر، والمرحلة الراهنة تتطلب تحويلها إلى «برامج تنفيذية» بجدول زمني محدد، وآليات متابعة واضحة، وأعتقد أن هذا ما تعمل عليه وزارة المالية حالياً من خلال استراتيجية متوسطة الأجل لإدارة الدين العام بالتنسيق مع البنك المركزي ، وأتمنى أن يتم ذلك سريعا ويظهر أثره قريبا وعاجلا.

فلا شك أن تحويل «الأفكار» إلى «نتائج» ملموسة هو الجسر الذي سيعبر عليه المواطن من حالة القلق إلى حالة الثقة ، فالمواطن، بطبيعته، لا يتأثر بالنسبة المئوية للنمو بقدر تأثره بمستوى الخدمات الأساسية فى الصحة والتعليم والسكن وغيرهم، وهذا يتطلب بالضرورة تطوير منظومة المؤشرات لتكون أكثر دقة وتعبيرًا عن الواقع المعيشي.

وبالمناسبة هذا المواطن العادي لو تحدثت معه ستجد لديه تقديرًا كبيرًا لجهود الدولة فى البنية التحتية والاستقرار الأمني، لكن يظل الهاجس هو «توفير الدخل الكافى»، وهنا تأتي أهمية ما نتحدث عنه بأن الامر ليس «سباق أرقام»، بل التركيز على «عدالة توزيع الدخل والقدرة الشرائية».

وأنا وغيري كثيرون نعلم أن الحكومة لديها استجابة كبيرة لهذه التطلعات التي يجيش بها صدر المواطن، تظهر فى حرص رئيس الوزراء على التأكيد بأن خفض الدين ليس هدفاً فى حد ذاته، بل هو وسيلة لتقليل الأعباء عن الموازنة العامة، مما يفسح المجال لزيادة الإنفاق على الحماية الاجتماعية والخدمات، ومصر تمتلك مقومات حقيقية تتيح لها صياغة «برنامج وطني خالص» يقلل الاعتماد على برامج المراجعة الدورية من المؤسسات الدولية، برنامج يعتمد على ثلاثية: (الأمن - تنوع الاقتصاد - رأس المال البشري)، وتمتلك أيضا استقرارًا أمنيًا وبنية تحتية واسعة، يمكنها من تحقيق ما تريد، ولكنها تحتاج لتحويل «الزخم البشري» من عبء إلى طاقة إنتاجية.

يا سادة .. إن التوافق بين ما تقوله الحكومة وما يشعر به المواطن ليس مستحيلاً، بل هو ضرورة تفرضها ظروف العالم الجديد الذي يفرض كلمته «بالقوة»، نحن نحتاج إلى اقتصاد «العلم والعمل» كما وصفه الدكتور محيي الدين، وإلى إدارة «احترافية» كما وعد بها الدكتور مدبولي.

إن بناء جسور الثقة يتطلب أن نرى انعكاس الأرقام الكلية فى تفاصيل الحياة اليومية، وفى توفر فرص العمل النوعية، وفى استقرار الأسعار، فالمواطن هو بوصلة التنمية، ورضاه هو المؤشر الحقيقي لنجاح أي سياسة اقتصادية، وتحسين جودة الحياة ليس مجرد رقم فى ميزانية وزارة المالية، بل هو شعور المواطن بكرامته فى المستشفى والمدرسة والمواصلات العامة، عندما يشعر المواطن أن «البسط والمقام» فى معادلة الحكومة يترجم إلى «خبز وخدمة جيدة»، حينها فقط سيتطابق الخطاب مع الواقع.

سيدي رئيس الوزراء.. تبذلون بلا شك جهودًا وطنية جبارة فى ظروف استثنائية وغاية فى الدقة، والأرقام مبشرة فى أوراقكم، لكن «الأنفس» مرهقة فى الواقع ، اجعلوا «البرنامج التنفيذي» هو لغتكم القادمة، واتركوا «السرديات» للمؤرخين.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان