نذرت إمرأة عمران في دعائها أن يكون ما في أحشائها عابدا خالصا لوجه الله تعالي.. وخلد القرآن الكريم دعوة إمرأة عمران لإبنتها، ووهبتها أن تكون خادمة للمسجد الأقصي، ولذا كل من يعيش في أكناف بيت المقدس يتوحد مع جلال روحانياته، ويصبح جزءًا لا يتجزأ منه، وهذا العشق يحرره من أي شائبة في نفسه تقف حائلاً أمام صدق نيته مع خالقه، هكذا صار دعاء أم مريم ورسالات الأنبياء في رحاب الأرض المقدسة وقودا للمرابطين.
ويقر المحتل بقدسية هذه العلاقة الوطيدة بين شعب وأرضه، ولا يجد مفرًا بعد مرور 75 سنة من الاعتراف بها، وجسدها في عنوان افتتاحية صحيفة هآرتس الإسرائيلية أكبر صحف دولة الكيان، ويقول العنوان: الفلسطينيون أفضل شعوب الأرض في الدفاع عن وطنهم، ويشير كاتب الافتتاحية إلي مأساة دولته خلال عامين من نضال شعب، ويكشف أن خسارة الكيان كانت وقت الحرب علي غزة تتعدي الـ 912 مليون دولار كل ثلاث أيام.. وتشمل ضربات الطيران وثمن صواريخ الباتريوت، هذا غير الذخائر والأسلحة الذكية.. فضلا عن شلل الحركة التجارية وتعطيل معظم المؤسسات الإسرائيلية.
وافتتاحية هآرتس لم تكن الإقرار الوحيد بانتهاء الحلم الإسرائيلي، في عام 2008 تحدث إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل الأسبق خلال اجتماع حكومته عن انتهاء فكرة أرض إسرائيل الكبري، وقال: الذي ينفي ذلك يوهم نفسه، وتتوالي النبوءات عن حتمية سقوط الكيان.
وتعترف الصحيفة بشكل علني أن الفلسطينيين فعلا أصحاب أرض، وأرجعت السبب إلي بذل دمائهم يوميا.. وتقديم أموالهم وأولادهم في سبيل أرضهم بشراسة وكبرياء، ويردف الكاتب قائلا: أنا كيهودي أتحدي أن تأتي دولة إسرائيل برمتها بمثل هذا الانتماء.. وإذا بنا نشاهد هجرة اليهود بأعداد كبيرة في المطارات.. بينما الجيش الإسرائيلي يذيق الفلسطينيين ويلات القتل والتشريد والحصار.. ولم يقتصر علي هذا بل أغرقهم بكل أنواع المخدرات.
ولم يرفع حكماء إسرائيل راية الاستسلام أمام تلك النبوءات، ولكن الواقع يعكس غير ذلك، ويسابقون الزمن، ويدمرون منازل ومساجد ومتاجر سكان الضفة الغربية والاعتداء عليهم، ويقلعون أشجار الزيتون، لكي يتسني لهم التوسع في بناء المستوطنات، ويتخطون القرار الأمريكي الخاص بوقف التوسع الاستيطاني.
ويختم كاتب افتتاحية صحيفة هآرتس بقوله: من الأفضل التخلي عن حلمنا الزائف بإسرائيل الكبري.. وعلينا السعي لإقامة دولة جارة للفلسطينيين..
مما قد يطيل عمر بقائنا إلي وقت بعث الفلسطيني من جديد، ونقول له عسي أن يكون بعثه قريبا تحت ظلل من دعوات أم مريم والرسل.