"الحياة بعد سهام".. البعث بالسينما

"الحياة بعد سهام".. البعث بالسينمامحمود عبد الشكور

الرأى25-1-2026 | 19:05

أعتبرُ المخرج المصري المقيم في فرنسا نمير عبد المسيح من أفضل وأهم مخرجي السينما التسجيلية في العالم، ومنذ أن شاهدت فيلمه البديع "العذراء والأقباط وأنا"، تأكدت أنني أمام مخرج استثنائي، يعرف بالضبط كيف يعيد تشكيل مادته الواقعية، بخيال خصب، وبرؤية إنسانية عميقة وساخرة في نفس الوقت، وهو يحمل كاميراه طوال الوقت، ويتضح في عالمه ثلاثة أمور: انتماؤه العائلي، وانتماؤه لبلده مصر، وتحديدا لقرية أبو دومة في سوهاج ، وهي مسقط رأس والده وجيه عبد المسيح، والأمر الثالث هو عشق نمير للسينما، وإيمانه بإمكانياتها القوية في التعبير، بل واعتباره الشريط السينمائي هو الحياة الباقية، وهو أداة البحث والتحقيق والتأمل داخل وخارج الذات .

في فيلمه " الحياة بعد سهام "، الذي عرض في مهرجان كان 2025، وفاز بجائزة معتبرة في مهرجان الجونة ، يقدم نمير عملا استثنائيا، بتحويل شأن عائلي خاص جدًا، وهو علاقاته هو وأسرته بعد موت أمه المحبوبة سهام، إلي تأمل عميق لمعني الفقد والموت عموما، مقارنة بما يحققه الفيلم السينمائي من بقاء، ولو علي مستوي الطيف والخيال.

الخطير في هذه المعالجة ليس المادة، رغم جمالها وندرتها، حيث نشاهد فيديوهات وخطابات وحوارات مع الأب ومع أخت نمير الوحيدة وتدعي نرمين وكذلك عمّته عنايات التي ربته، ولكن الأهم هو براعة نمير في تحويل هذه المادة إلي فيلم متماسك، تتطور فيه الفكرة وتتعمق كلما اقتربنا من النهاية، ثم التصرف العجيب والمبدع في إعادة توليف بعض المشاهد من أفلام يوسف شاهين، وتحديدا فيلمي "عودة الابن الضال" و"الاختيار"، وأفلام أخري، وإخضاعها لرؤية نمير، وكأن لقطات "عودة الابن الضال" بين ماجدة الرومي وهشام سليم، أو لقطات سهير المرشدي وأحمد محرز في نفس الفيلم، تعبّر عن حكاية زواج وغرام وجيه وسهام والدي نمير.

هذا الإحلال يعبّر ضمنيا عن أمرين هما : عدم قدرة نمير علي قراءة مأساة موت الأم إلا عبر السينما، التي تمنح المخرج كما يقول اختيارا لم يحدث، كأن يتخيل نمير في أحد أفضل مشاهد الفيلم أن أمه سهام لم تصب بالسرطان، فنري مشهدا افتراضيا يخبرها فيه الطبيب بأنها غير مصابة بأورام خبيثة.

الأمر الثاني أنه يعتبر فيلمه هو الرد علي الفناء والموت، أي أنه يضع الشريط السينمائي في مقابل الفقد، بقدرة السينما علي البقاء، وأساس الفكرة قادم أيضا من سهام، التي طالما تمنت أن تري نفسها بطلة لفيلم كلاسيكي مصري رومانسي، بل إن نمير كان يجهز معها لفيلم جديد بعد فيلم "العذراء الأقباط وأنا"، والذي ظهرت فيه سهام، ولكن الموت لم يسمح ذلك، ويمكن اعتبار فيلم "الحياة بعد سهام" هو الفيلم البديل، بل هو الفيلم الأفضل، لأنه يعلن عن حضور السينما والصورة والكاميرا، في مواجهة تغييب سهام، ثم زوجها وجيه، بالموت والدفن.

هذه هي لعبة نمير المبدعة والماكرة، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لكي يتقبّل موت سهام ووجيه، وهي أن يصنع منهما فيلما، وأن يقوم بإحلالهما محل أبطال أفلام يوسف شاهين الباقية والجميلة، وأن يستعير من حياة هذه الأفلام حياة إضافية لسهام ووجيه، واختيار أفلام شاهين بالذات مرتبط ببقاء تلك الأفلام في الذاكرة، وبمرونة تطويعها لصالح حكاية وجيه وسهام، ولأن شاهين هو حكاء السيرة الذاتية الجسور بامتياز، وهو الذي جعل حياته الخاصة مادة عامة لتأمل البشر والأماكن والعلاقات والمراجعات الصعبة للذات وللآخر، وهذا بالضبط مشروع نمير كما شاهدناه من قبل في " العذراء والأقباط وأنا".

لكن بريق الفكرة لا يعني أن تظل ثابتة ومكررة وتدور حول نفسها، ولكن السرد يطور الفكرة من لحظة الي أخري، فيمنح الحكاية حيوية بالغة، فمن رصد تأثير موت سهام علي وجيه وعلي ونمير والأولاد، ننتقل إلي رواية وجيه عن حكاية زواجه، والتي أضفي عليها حالة رومانسية، مستعينا بنصوص الخطابات، ولكن نمير يكتشف رواية مناقضة من تسجيل صوتي لسهام، فقد كانت علي علاقة حب مع شخص غامض، رفض الزواج طويلا بعد غيابه، ولكنها لم تستطع تحمل الضغوط، فوافقت علي أول عريس، وكان للمصادفة وجيه، الذي قضي خمس سنوات في سجون عبد الناصر، ثم عمل في مؤسسة السينما، وعندما انتهي القطاع العام السينمائي، هاجر الي فرنسا، ثم لحقت به سهام بعد زواجهما.

البحث عن حقيقة علاقة وجيه وسهام تقود نمير إلي جذوره من جديد، يعود إلي عمته عنايات في القرية، التي ربته في أول عامين من عمره، وكانت سهام قد تركت طفلها لتبقي في باريس مع وجيه، ومثلما بدأنا بموت سهام، ننتهي بموت وجيه، بعد فترة قضاها في دار للمسنين، ولكن الحفيد يعود إلي القرية، ويزرع شجرة ليمون باسم جدته سهام، وهكذا تستمر الحياة في الواقع وعلي شريط السينما، ويقتحم الواقع عناوين النهاية، ليهدينا طاقة أمل ونور.

استغرق متابعة الرحلة عدة سنوات، ولذلك يمكن اعتبار الزمن هو البطل الخفي، ولكن الزمن هنا يعاد تشكيله عبر السينما أيضا، بمعني أن ما شاهدناه هو زمن فيلمي مواز كامل اختزل الرحلة الي دقائق الفيلم التسجيلي، وسيكون ترمومتر مرور الزمن هو الصورة أيضا، سواء بتغير وجوه وجيه وعنايات لتكون أكبر سنا، أو بإنجاب نمير لولد وبنت يكبران تدريجيا، ويكبر معهما نمير.
السينما إذن ساعدت نمير علي التعافي من الصدمة، لقد جعلته يقوم ببعث كامل لأمه ولأبيه ولجدته ، ومنحت شخصياته خلودا علي الفيلم، واستلهاما ممتعا لتحية شاهين و السينما الصامتة باستخدام للوحاتها، كما أنه جرّب في فيلمه إعادة تشكيل الزمن، والتحكم فيه، بل وإعادته إلي الوراء، وتغيير الواقع عبر افتراض عدم موت أمه بالسرطان، بالإضافة إلي تحقيق حلم أمه بأن تكون بطلة فيلم رومانسي، وهذا فيلم رومانسي بامتياز، لأنه حكاية حب نمير للسينما وللعائلة معا.

انظر وتأمل ذكاء المفارقة التي صنعتها المعالجة الخلاّقة لمادة الواقع: كلما سمعنا أن الأم ماتت، تظهر أمامنا في الصورة وهي تتحرك وتضحك وكأنها تتمرد علي فنائها، والفيلم يبدأ برفض سهام ووجيه للتصوير ولعب العيال، ثم يتكرر الرفض من عنايات، هذا التعامل المستخف بالصورة والكاميرا احتفظ به نمير، لكي يقول إن الكاميرا هي التي حفظت هؤلاء المستخفّين بها، وأن ما فعله ليس لعب عيال، بل هو البقاء الحقيقي الخارج من قلب المقابر، لقد كبرت " قطعة اللحمة الحمراء الصغيرة" التي تركوها للعمة عنايات، وامتلك نمير كاميرا، منحت الجميع حياة إضافية لا تنتهي.

موتان أصبحا بسحر السينما حياة مدهشة ومؤثرة علي الفيلم ، الواقع يسخر، ويتألم، ويقدم روايات متناقضة، و السينما تسجل، وتحفظ، وتتأمل، وتقارن، وتضحك أيضا، ونمير يتحقق علي المستوي الفني والعائلي معا، يعود الابن الضال إلي جذوره وقريته في سوهاج، ويظهر فجر يوم جديد بعد الفقد، ويبقي الشريط السينمائي لكي يشاهده الأحفاد، ومن يدري فقد يعود الحفيد من جديد حاملا كاميرا تصور، وتضيف إلي الذاكرة التي تفقدها عنايات تدريجيا، والتي لم ينفع فيها دواء أو علاج.

أما النسخة التي شاهدتها ففيها تعليق نمير باللهجة المصرية بعد أن كانت النسخة التي عرضها في كان والجونة باللغة الفرنسية، ولاشك أن حميمية اللهجة المصرية جعلت من هذا النسخة أفضل للمشاهد المصري والعربي.

"الحياة بعد سهام" ليس فقط فيلما عن الحب العائلي، واكتشاف جذور الحكايات، ولكنه أيضا فيلم عن السينما كذاكرة وكعلاج وكدواء، وعن الصورة والكاميرا كمحاولة من البشر الفانين لاختراع حياة موازية تستحق البقاء، ولو علي هيئة أطياف ملونة.

هذا فيلم "الغياب بالموت"، و"البعث في السينما و.. بالسينما".

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان