شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد بين الأطفال، ومع ذلك لا يزال التعامل معه في كثير من الأحيان محصورًا في إطار “اضطراب سلوكي” يحتاج إلى جلسات تعديل سلوك فقط. هذا الفهم المحدود، بحسب الدكتور عماد سلامة أخصائي التغذية العلاجية، يُغفل حقيقة علمية مهمة، وهي أن التوحد حالة معقدة ذات أبعاد عصبية ومناعية وهضمية متشابكة، ولا يمكن فصل السلوك الظاهر عن الأسباب البيولوجية العميقة الكامنة وراءه.
يوضح الدكتور عماد أن الطفل المصاب ب التوحد ليس طفلًا “رافضًا” للتركيز أو التواصل، بل يعاني من اضطراب في الإشارات العصبية داخل المخ. سرعة نقل الإشارات تكون أبطأ من الطبيعي، كما أن خلايا المخ لا يصلها الغذاء المناسب بالكفاءة المطلوبة، في مشهد يشبه إلى حد كبير مقاومة الإنسولين. ومن هنا، فإن السلوكيات المتكررة أو ضعف الانتباه ليست المرض نفسه، بل نتيجة مباشرة لهذا الخلل الداخلي.
ويشير إلى أن جهاز المناعة يلعب دورًا محوريًا في هذه الحالة، إذ يكون في كثير من الأحيان مفرط النشاط ويعمل بطريقة غير متزنة، ما يؤدي إلى إفراز مواد التهابية تسبب ما يُعرف بالالتهاب العصبي. هذا الالتهاب يخلق حالة من “التشويش” داخل المخ، تعيق قدرة الطفل على الفهم والتواصل والنطق، وتنعكس بشكل واضح على تفاعله مع من حوله.
أما الجهاز الهضمي، فيصفه الدكتور عماد بأنه “المخ الثاني” للإنسان. فاضطراب توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء أو وجود ما يُعرف بتسريب الأمعاء يسمح بمرور سموم إلى مجرى الدم، ومنها إلى المخ مباشرة. وعندما يتم إصلاح الخلل الهضمي وتقليل العبء السمي داخل الجسم، تبدأ تحسنات ملحوظة في وعي الطفل واستجابته، وهو ما يفسر التحسن المفاجئ الذي يلاحظه بعض الأهالي بعد التدخل الغذائي الصحيح.
ويؤكد أن التوحد يمكن فهمه كدائرة متصلة: أمعاء مضطربة تؤدي إلى خلل مناعي، ينتج عنه تشويش دماغي، ثم تظهر الأعراض السلوكية. وبالتالي، فإن التركيز على تعديل السلوك فقط دون علاج الالتهابات والسموم الداخلية يشبه محاولة إصلاح مظهر المشكلة مع ترك جذورها دون علاج.
ويضيف أن الطفل لا يحتاج إلى محفزات شكلية بقدر حاجته إلى علاج بيولوجي حقيقي يستهدف الأسباب الأساسية. فعندما يهدأ الالتهاب وتستعيد الخلايا العصبية توازنها، يتحسن السلوك تلقائيًا. وقد أثبتت التجارب الواقعية وجود أطفال كانت حالاتهم توصف بأنها غير قابلة للتحسن، لكنهم أحرزوا تقدمًا ملحوظًا في التواصل والكلام والتفاعل الاجتماعي بعد تطبيق بروتوكولات علاجية تعتمد على التغذية ودعم المناعة والهضم.
وعن الحلول العملية، يشير الدكتور عماد سلامة إلى أن الخطوة الأولى تتمثل في إصلاح الجهاز الهضمي من خلال نظام غذائي صارم، مثل حمية الجلوتين والكازيين (GFCF)، حيث يؤدي منع القمح ومنتجات الألبان إلى تقليل تهيج المناعة وتحسين وظائف المخ. كما يُنصح بإدخال البروبيوتيك عالية الجودة والإنزيمات الهاضمة لإعادة التوازن البكتيري.
الخطوة التالية تعتمد على تقليل الالتهاب وطرد السموم، من خلال مكملات مثل أوميجا 3 لدعم صحة المخ وتقليل الالتهاب العصبي، والمغنيسيوم لتهدئة الجهاز العصبي وتحسين النوم والتركيز. كذلك يتم دعم ما يُعرف بدورة الميثيل في الجسم باستخدام فيتامين B12 في صورته النشطة، إلى جانب الميثيل فولات، لما لهما من دور أساسي في دعم وظائف المخ والقدرات الإدراكية.
ويُعد الجلوتاثيون من أهم مضادات الأكسدة التي يوصي بها، لدوره القوي في دعم الكبد والتخلص من المعادن الثقيلة والسموم التي تعيق تطور الجهاز العصبي.
ويختتم الدكتور عماد بالتأكيد على أن هذا النهج العلاجي ليس حلًا سحريًا سريعًا، بل يتطلب صبرًا والتزامًا، ويبدأ بإجراء تحاليل دقيقة تشمل حساسية الطعام، والمعادن الثقيلة، والأحماض العضوية. كما يشدد على ضرورة الالتزام بنظام غذائي نظيف خالٍ من السكر والمواد الحافظة، واختيار مكملات غذائية موثوقة وعالية الجودة.
ويؤكد في النهاية أن الهدف ليس تغيير شخصية الطفل، بل إزالة الأعباء البيولوجية التي تثقل جسده، حتى تظهر قدراته الحقيقية التي كانت مختبئة خلف المرض.