في مثل هذه الأيام، يستعيد العالم العربي ذكرى رحيل سيدة الغناء العربي، كوكب الشرق أم كلثوم، الصوت الذي لم يكن مجرد موهبة فنية، بل ظاهرة إنسانية وصوتية استثنائية وقفت أمامها الدراسات العلمية نفسها في حالة دهشة.
أم كلثوم، التي وُلدت في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، بدأت رحلتها الفنية منذ الطفولة، لكن صوتها لم يكن عادياً منذ البداية، فقد امتلكت قدرة فريدة على التحكم في طبقات الصوت وقوته واستمراريته، الأمر الذي جعلها تتربع لعقود على عرش الغناء العربي دون منافس حقيقي.
وفي ستينيات القرن الماضي، خضعت أم كلثوم لفحوصات صوتية متخصصة في باريس على يد فريق من أطباء الصوت وخبراء علم "الفونيات" (علم الأصوات)، في تجربة نادرة لفنان عربي آنذاك.
وأظهرت الفحوصات نتائج لافتة، إذ تبين أن أحبالها الصوتية تجمع خصائص صوتية توجد عادة لدى الأصوات الرجالية والنسائية معاً، وهو ما يفسر قدرتها المذهلة على التنقل بين الطبقات الصوتية المنخفضة والعالية بنفس القوة والصفاء والثبات.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الدراسة النظرية، إذ حاول الأطباء قياس قوة ذبذبات صوتها باستخدام أدوات اختبار تعتمد على تأثير الموجات الصوتية في الأجسام الزجاجية، في تجربة تهدف لقياس شدة الذبذبات.
وبحسب الروايات المتداولة وقتها، فإن قوة صوتها تجاوزت التوقعات، حتى إن إحدى البلورات المستخدمة في التجربة لم تتحمل شدة الاهتزاز، في مشهد زاد من الأسطورة المحيطة بصوتها.
وقيل إن أحد الأطباء المشاركين في الفحص علّق قائلاً: "نحن لا نقف أمام حنجرة طبيعية، بل أمام آلة موسيقية كاملة داخل جسد إنسان".
لكن سر أم كلثوم لم يكن في قوة الصوت وحدها، بل في إحساسها وقدرتها على توظيف الكلمة واللحن، وإعادة تشكيل الأغنية على المسرح كل ليلة، حتى أن الجمهور كان يسمع الأغنية نفسها بشكل مختلف في كل حفلة، بحسب تفاعلها مع الحضور وحالة الطرب التي تصل إليها.
رحلت أم كلثوم في فبراير 1975، لكن صوتها لم يرحل، فما زالت أغانيها تُبث يومياً، وتجمع أجيالاً لم تعاصرها حول صوت واحد يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن بعض الأصوات لا تموت، بل تتحول إلى ذاكرة جماعية للأمة.
وفي ذكرى رحيلها، يبقى السؤال الذي يتردد دائماً: هل يمكن أن يتكرر صوت مثل أم كلثوم؟
والإجابة التي يرددها عشاقها دوماً: كوكب الشرق ظاهرة لا تتكرر.