في ذكرى رحيل كوكب الشرق أم كلثوم، تتجدد الحكايات التي تحيط بصوتها الاستثنائي، ذلك الصوت الذي لم يكتفِ بسحر الجمهور، بل صنع حوله قصصاً أقرب إلى الأساطير، كثير منها تؤكده شهادات من عاصروا حفلاتها في زمن كانت فيه تقنيات الصوت ما تزال بدائية مقارنة بعصرنا.
ومن أشهر الوقائع المتداولة بين الموسيقيين ومهندسي الصوت، ما حدث في إحدى حفلاتها خلال أربعينيات القرن الماضي، حين كانت أم كلثوم تؤدي مقطعاً غنائياً يتصاعد فيه اللحن تدريجياً نحو ذروة طربية عالية، قبل أن ينطلق صوتها بقوة غير متوقعة أربكت القائمين على الحفل.
فجأة، دوّى صوت فرقعة في القاعة، وتبيّن أن الميكروفون تعطل نتيجة شدة الذبذبات الصوتية، إذ لم تتحمل أجهزته حساسية وقوة الصوت الخارج من حنجرة أم كلثوم في تلك اللحظة.
بعض الحضور ظنّ الأمر مجرد عطل تقني عادي، لكن مهندسي الصوت أكدوا لاحقاً أن الجهاز تأثر فعلاً بقوة الصوت الخارجة من المطربة.
المفارقة أن أم كلثوم لم تتوقف، بل واصلت الغناء بثبات وهدوء من دون ميكروفون لبعض الوقت، مستندة إلى قوة صوتها الطبيعية وقدرتها على ملء القاعة، في زمن كانت فيه المسارح تعتمد بدرجة كبيرة على الصوت المباشر للفنان.
ومنذ تلك الواقعة، حرص القائمون على حفلاتها لاحقاً على وضع الميكروفون على مسافة أبعد نسبياً منها، تجنباً لتكرار المشكلة، خاصة أن صوتها كان يتميز بقوة اندفاعه مع وضوح مخارج الحروف وقدرتها الفريدة على تطويع الطبقات العالية دون فقدان النقاء.
لكن سر أم كلثوم الحقيقي لم يكن في القوة وحدها، بل في قدرتها على التحكم الكامل في صوتها، تصعد وتهبط به كيفما تشاء، وتطيل الجملة الغنائية أو تختصرها وفق إحساس اللحظة وتفاعل الجمهور، حتى أصبحت حفلاتها تجربة طربية لا تتكرر مرتين بالشكل نفسه.
ورغم مرور أكثر من خمسة عقود على رحيلها في فبراير 1975، ما زالت أم كلثوم حاضرة في الوجدان العربي، وكأن صوتها يسافر عبر الزمن ليؤكد أن بعض الفنانين لا ينتمون إلى عصر بعينه، بل يصبحون جزءاً من ذاكرة الشعوب نفسها.