لم تكن إطلالة أم كلثوم على المسرح مجرد حضور فني، بل كانت طقساً ثابتاً اعتاد عليه الجمهور العربي لعقود، حتى أصبحت تفاصيل ظهورها جزءاً من صورتها الراسخة في الذاكرة، ومن أبرزها المنديل الذي لم يفارق يدها في حفلاتها الغنائية.
ذلك المنديل الأبيض الصغير لم يكن مجرد إكسسوار، بل كان جزءاً من شخصية أم كلثوم نفسها، ورفيقاً دائماً لها على المسرح منذ بداياتها الأولى في عالم الغناء.
ففي سنواتها الأولى، كانت أم كلثوم شديدة الخجل وتشعر بتوتر كبير عند مواجهة الجمهور، خاصة في زمن لم تكن فيه تقنيات الإضاءة والتنظيم كما هي اليوم، وكان الفنان يقف وجهاً لوجه أمام مئات، بل آلاف المتفرجين.
وللتغلب على هذا القلق، اعتادت أن تمسك بمنديل في يدها، تقول بعض الروايات إنها كانت في البداية تستخدم مناديل والدها قبل أن يتحول الأمر إلى عادة دائمة ترافقها في كل حفلاتها.
وقد سألها الإعلامي الراحل وجدي الحكيم عن سر تمسكها بالمنديل طوال الحفل، فأجابت بصراحة كاشفة جانباً إنسانياً من شخصيتها، قائلة:"خوفي من الجمهور علشان بعمله ألف حساب هو سبب ظهوري بالمنديل".
ومع مرور السنوات، لم يعد المنديل مجرد وسيلة لتهدئة التوتر، بل أصبح جزءاً من صورتها على المسرح، تحركه بيدها مع الإيقاع، وتلوّح به في لحظات الطرب، وكأنه شريك في الأداء.
وتحمل الكواليس أيضاً حكاية طريفة مرتبطة بهذا المنديل، إذ يُروى أنه في إحدى الحفلات سقط المنديل من يد أم كلثوم على المسرح ولم تجده، فطلبت منديلًا بارتباك بسيط.
هنا تحرك الموسيقار محمد القصبجي بهدوء، وضع عوده على الكرسي، وأخرج من جيبه منديلًا جديدًا ملفوفًا بعناية في ورق سلوفان، وقدّمه لها قائلاً بابتسامة:"عامل حسابي يا هانم".
واقعة تكشف حجم التقدير والحب الذي كان يحمله أعضاء فرقتها لها، وحرصهم على ألا يفسد أي تفصيل صغير انسجام الحفل.
وهكذا ظل المنديل رفيق كوكب الشرق حتى آخر حفلاتها، رمزاً بسيطاً خلف أسطورة كبيرة، يذكرنا دائماً بأن خلف الصوت الذي هزّ الملايين كانت تقف امرأة بسيطة تخاف جمهورها بقدر ما تحبه، وتمنحه كل ما تملك من إحساس وفن.