رغم العلاقة الفنية الناجحة التي جمعت كوكب الشرق أم كلثوم بعدد كبير من كبار الملحنين، فإن الطريق لم يكن دائماً خالياً من الخلافات، ومن أشهر تلك الأزمات ما وقع بينها وبين الملحن الكبير محمد الموجي، ووصل بالفعل إلى ساحات القضاء، قبل أن يتحول الخلاف لاحقاً إلى واحدة من أنجح أغانيها.
تعود الحكاية إلى فترة تعاون أم كلثوم مع الموجي، حين طلبت منه تلحين أغنية جديدة بعنوان "للصبر حدود"، ووافقت على اللحن من حيث المبدأ، لكن العمل ظل مؤجلاً لفترة طويلة.
فكلما طالبت أم كلثوم بتسليم اللحن، كان الموجي يؤجل التنفيذ، إما لانشغاله بأعمال أخرى أو لرغبته في الوصول إلى الصيغة الموسيقية التي ترضيه.
ومع مرور الوقت، شعرت أم كلثوم بأن الأمر تجاوز حدود التأجيل الطبيعي، خاصة أن حفلاتها وبرنامج أعمالها كانا يعتمدان على أغنيات جديدة تُقدم للجمهور، فقررت اتخاذ خطوة غير متوقعة، ولجأت إلى القضاء لاستعادة حقوقها الفنية في الأغنية بعد طول انتظار.
وأمام القاضي، روت أم كلثوم تفاصيل الأزمة، موضحة أنها منحت الموجي الأغنية منذ فترة طويلة دون أن يتم الانتهاء من تلحينها، بينما دافع الموجي عن نفسه موضحاً أنه كان يسعى لتقديم لحن يليق بصوتها وبمكانتها الفنية.
وتحكي الروايات المتداولة أن القاضي حاول تهدئة الأجواء بين الطرفين، مؤكداً أن الخلاف لا يليق بفنانين كبيرين أثريا الفن العربي، وأن الأفضل إنهاء النزاع بالتصالح حفاظاً على قيمة الفن الذي يمثلانه.
وبالفعل انتهى الخلاف، وعاد التعاون بينهما، لتخرج بعدها إلى النور واحدة من الأغاني الخالدة في تاريخ الغناء العربي: "للصبر حدود… متصبرنيش ما خلاص أنا فاض بيا وملّيت".
المفارقة أن كلمات الأغنية نفسها بدت وكأنها تعكس شيئاً من حالة التوتر التي سبقت ميلادها، قبل أن تتحول إلى عمل طربي ضخم ردده الملايين، وأثبت أن الخلافات أحياناً تكون مقدمة لولادة أعمال فنية خالدة.
وهكذا، بقيت القصة شاهداً على أن حتى عمالقة الفن يمرون بلحظات اختلاف، لكن الفن الحقيقي كان دائماً قادراً على تجاوز تلك الخلافات ليبقى ما هو أهم: الأغنية التي تعيش بعد أصحابها بسنوات طويلة.