التغيير بالنتائج لا بالأسماء

التغيير بالنتائج لا بالأسماءسعيد صلاح

الرأى5-2-2026 | 11:57

مين قاعد.. ومين ماشي..؟ هذا سؤال الساعة كما يقال، فلا حديث في كل بيت ومقهي ومؤسسة إلا ويدور فيه هذا التساؤل الموسمي التراثي: مَن باقٍ؟ ومَن سيرحل؟ وما المسطرة التي يُقاس عليها اختيار
« رجل المرحلة »؟ .. في خضم هذا المشهد المزدحم بالتكهنات والتنبؤات والترشيحات والأمنيات والتطلعات والخيبات أيضا لا أعلم لماذا يداعب خيالي من وقت لآخر ذلك المشهد للعبقري أحمد زكي في فيلم معالي الوزير وهو ينزل السلم بعدما حلف اليمين مرددًا: «أقسم بالله أن احترم هذه الصدفة»..

ولكني أعود كمن ألقي علي وجهه «شويه ميه» وفاق واستفاق علي كلام في غاية الجدية والانضباط كلام يحركه ضمير وطني حي ومخافة من الله قلما نراها، ذلك الكلام الذي قاله السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، فلقد وضع رئيس الجمهورية في احتفالية عيد الشرطة الأخيرة النقاط فوق الحروف، ولم يكن حديثه مجرد خطاب بروتوكولي، بل كان « ميثاق عمل » جديد للمرحلة المقبلة، عندما يتحدث الرئيس عن «المسئولية والضمير والأمانة»، وأنه «لا مكان لمن لا يستطيع العمل بجد واجتهاد»، فهو بذلك ينهي عصر «الوزير الموظف» ويدشن عصر «الوزير المقاتل»، ويضع قواعد للاختيار وقواعد للعمل وشروط للبقاء والاستمرار.

الرسالة كانت واضحة وصريحة: المسئولية أمام الله وأمام الشعب هي الحكم، فالمسئول الذي ترتعش يده في اتخاذ القرار أو يفتقر إلي الرؤية الميدانية أو يغرق في البيروقراطية بينما تسبقه سرعة الأحداث، عليه أن يغادر طواعية قبل أن يُطلب منه ذلك، هذه اللغة تعكس تحولاً جذريًا في فلسفة الإدارة المصرية، فالتقييم لم يعد بالتقارير الورقية المنمقة،
بل بالأثر الملموس علي حياة المواطن.

لسنوات طويلة، ظل الاختيار لدينا أسيرًا للمفاضلة التقليدية بين «أهل الثقة» و«أهل الكفاءة» ولكن، في ظل تحديات عام 2026، يبدو أن هذا التصنيف قد تآكل ولم يعد صالحًا للاستخدام ، لأن الثقة الحقيقية اليوم لا تأتي من القرب أو الولاء الشخصي، بل من «كفاءة النتائج»، الوزير الذي يحقق المستهدفات هو الذي يمنح الدولة «الثقة» في قدرتها علي العبور، نحن نحتاج إلي شخص يمتلك العلم والخبرة التخصصية، ولكنه يمتلك أيضًا الحاسة السياسية التي تجعله يشعر بنبض الشارع قبل أن يقرأه في التقارير، وأظن أن هذا أهم الشروط وجوهرها الآن.

لذلك إذا سألنا المواطن البسيط في أي مكان في مصر: «من هو الوزير الذي تريده؟»، ستكون الإجابة أبعد ما تكون عن الشهادات الأكاديمية الفخمة فقط ، الشعب يريد – من وجهة نظري المتواضعة - وزيرًا يمتلك ثلاثة مفاتيح أساسية، الأول «الميدانية والاشتباك» وزير لا ينتظر وصول المشكلة إليه،

بل يذهب هو إليها، والمفتاح الثاني «الحلول الابتكارية» فلم نعد نملك ترف الحلول التقليدية المكلفة، نحتاج لمن يبتكر من «خارج الصندوق» لتعظيم العائد من الموارد المتاحة، وأما المفتاح الثالث فهو «التواصل الشفاف»، فالوزير الناجح هو الذي يشرح للشعب التحديات بكل صدق، ويشاركه في رسم خريطة الطريق، فالمواطن أثبت دائمًا أنه يتحمل الصعاب إذا ما شعر بالعدالة والشفافية، وأضيف علي كل هذا مفتاحا ذهبيا رابعًا وهو «الأثر الاجتماعي»، بمعني هل ستؤدي قراراته إلي تحسين حياة الناس؟ هل سيشعر المواطن بانخفاض التضخم؟ هل ستتحسن جودة التعليم والصحة؟ هل.....؟، هل....؟، هل.......؟

الشعب المصري اليوم أصبح أكثر وعيًا وقدرة علي التقييم، ومنصات التواصل والرقابة الشعبية لم تترك للمسئول مجالاً للمواربة، والاختيار يجب أن يبني علي قدرة الوزير علي نيل «ثقة الجمهور» من خلال العمل لا من خلال «الشو الإعلامي».

لذلك فإن التغيير الوزاري المرتقب ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة من عمر الوطن، مرحلة لا تعترف إلا بالعمل الجاد، ولا تكافئ إلا المنجزين، لقد وضع الرئيس السيسي «الضمير» أمام «المسئولية»، وجعل «الحساب أمام الله» هو الوازع الأكبر، وهو ما يعني أننا أمام «حكومة تحدي» بكل ما تحمله الكلمة من معني، إن مصر 2026 لا تملك رفاهية الوقت، وكل دقيقة تمر هي فرصة للتقدم أو خطر للتراجع، لذا، فإن الاختيارات المقبلة يجب أن تكون «جراحية»، دقيقة، وشجاعة، لتليق بطموحات شعب صابر، ودولة عازمة علي أن تكون في طليعة الأمم.

وقبل أن ينتهي المقال أتمني أن يتقبل مني القارئ العزيز بعضا من الأنانية، ويسمح لي بأن أختص الصحافة عامة والصحف القومية خاصة كونها مهنتي وكونها بيتي وحاضري ومستقبلي بقليل من الحديث، ففي خطاب عيد الشرطة 2026، لم يكن الرئيس يتحدث فقط عن الوزراء والمحافظين، بل كان يضع ميثاقاً أخلاقياً ومهنياً لكل من يتصدي للمسئولية العامة، والصحافة القومية، بوصفها
«أمن قومي» ناعم، هي أولي المؤسسات بتطبيق ذلك الميثاق، فالمسئولية لم تعد مكافأة نهاية خدمة أو نتاجاً لترتيب الأقدمية، بل هي «تكليف قتالي» يتطلب مواصفات استثنائية، لذلك يجب أن يتم تفكيك عقلية الموظف، ومواجهة البيروقراطية التي قتلت الإبداع، مواجهة أكثر شراسة وعمقاً.

ربما يفضل في هذه المواجهة أن نتعامل بعقلية «رائد الأعمال» فلم يعد كافيًا أن يكون الصحفي كاتبًا جيدًا، بل يجب أن يكون مديرًا للموارد، قادرًا علي المساهمة في تحويل المؤسسة من كيان يعتمد علي دعم الدولة إلي كيان يصنع محتوي تنافسيًا يجذب الإعلانات والقراء، من خلال القدرة علي تحويل «الخبر» إلي «قيمة مضافة»، وامتلاك خطة واضحة لإدارة الأصول البشرية والمادية للمؤسسة.

ويجب أن يكون كما يقال «رقميًا بالفطرة أو علي الأقل «متمكناً رقمياً»، فالقارئ الآن يستقي معلوماته من هاتفه المحمول في ثوانٍ، وإذا لم يجد الصحفي الآلية للوصول إلي المواطن في «ساحته الرقمية» بصدق وسرعة، فقد يفقد شرعيته المهنية، ويجب أن تكون لديه أيضا القدرة علي بناء «قوة ناعمة» حقيقية تخاطب الداخل والخارج بلغة عصرية، وتمتلك شجاعة النقد البناء لتصويب المسار الإداري، تنفيذًا لمبدأ «المسئولية والضمير»، فقد قالها السيد الرئيس: «المسئول سيُسأل أمام الشعب ثم أمام الله»، والصحفي هو لسان حال الشعب لدي الدولة، ولسان حال الدولة لدي الشعب، لذلك لابد أن يكون «رادار» شعبي حساس، فلا يجوز أن تعيش الصحف في جزر منعزلة عن هموم المواطن اليومية (الأسعار، الخدمات، التحديات)، فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد الصور الرسمية المنشورة، بل عدد القضايا والتحديات والمشاكل التي سُلط عليها الضوء ووُجدت لها حلول، لأن «الأمانة» التي تحدث عنها الرئيس تعني تقديم الحقيقة للمواطن، و«الاجتهاد» يعني ملاحقة التطور التكنولوجي العالمي،

و«المغادرة» يجب أن تكون مصير كل من يتقاعس عن حماية «وعي» هذا الشعب.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان