الاتفاق.. أو الانهيار .. استراتيجية واشنطن لإسقاط النظام في كوبا

الاتفاق.. أو الانهيار .. استراتيجية واشنطن لإسقاط النظام في كوبا استراتيجية واشنطن لإسقاط النظام في كوبا

بين الحديث عن اتفاق محتمل مع كوبا، وإجراءات تصعيدية لخنق اقتصاد الجزيرة الكاريبية التي ترزح تحت وطأة حصار أمريكي ممتد منذ عام 1962، تتكشف ملامح استراتيجية أمريكية جديدة تستهدف إسقاط آخر معاقل الشيوعية في نصف الكرة الغربي دون اللجوء إلي تدخل عسكري مباشر، ويأتي هذا التحول في أعقاب إسقاط حليف كوبا الأول، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ، ما حرم هافانا من شريانها النفطي الحيوي، ووضعها في مواجهة اختبار وجودي غير مسبوق.

في هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، أن واشنطن تجري حوارا مع السلطات الكوبية، قائلا في تصريحات صحفية، إن « كوبا دولة فاشلة، لطالما كانت كذلك، لكنها الآن لم تعد لديها فنزويلا لمساندتها»، مضيفا «لذا نتحدث مع الكوبيين، علي أعلي المستويات، وسنري ما سيحدث، أعتقد أننا سنتوصل إلي اتفاق مع كوبا »، من دون أن يُشير إلي طبيعة هذا الاتفاق.

ورغم حديثه عن اتفاق محتمل، إلا أن الإجراءات علي الأرض تشير إلي تصعيد حاد، حيث أوقف ترامب شحنات النفط الفنزويلي إلي كوبا، عقب الإطاحة بمادورو، ما أدي إلي تفاقم النقص الحاد في الوقود الذي تعاني منه الجزيرة الكاريبية خلال السنوات الأخيرة.

كما وقّع ترامب مؤخرا أمرا تنفيذيا يهدد بفرض رسوم جمركية إضافية علي الدول التي تبيع أو تزود كوبا بالنفط بشكل مباشر أو غير مباشر، مستندا إلي قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية، بذريعة أن النظام الكوبي يشكل «تهديداً استثنائياً» للأمن القومي الأمريكي عبر تحالفاته مع قوي معادية مثل روسيا، والصين، وإيران، وجماعات مثل حماس وحزب الله.

من جانبه، اتهم الرئيس الكوبي ميجيل دياز كانيل، واشنطن بالسعي لـ «خنق» ال اقتصاد الكوبي «تحت ذريعة كاذبة». وحذر الإعلام الرسمي من أن الأمر يهدد بإحداث شلل في عمليات توليد الكهرباء والإنتاج الزراعي وإمدادات المياه والخدمات الصحية، حسب وكالة «رويترز».

وتعيش كوبا حاليا أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود، تتسم بانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي تصل إلي 20 ساعة في اليوم، ونقص في الغذاء والدواء، فيما يعيش نحو 90% من السكان في فقر مدقع.

وتشير بيانات الطاقة، إلي أن مخزون النفط في كوبا يكفي بالكاد لنحو 15-20 يومًا، في حين أن الأمر التنفيذي الجديد لترامب يضع المكسيك، في موقف صعب بين الاستمرار في تزويد كوبا بالنفط كـ «مساعدة إنسانية» من جهة وحماية مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة من جهة أخري، ما يجعل النظام الكوبي أمام اختبار وجودي حقيقي، حسب محللين.

وكشفت مصادر مطلعة، لصحيفة «وول ستريت جورنال»، أن إدارة ترامب، مدفوعة بوزير خارجيتها ماركو روبيو- وهو ابن لمهاجرين كوبيين قدما إلي فلوريدا عام ١٩٥٦- تسعي بجدية لتغيير النظام الحاكم في كوبا، قبل نهاية العام الجاري، حيث يري ترامب ودائرته المقربة أن إسقاط النظام الشيوعي في كوبا هو الاختبار الحاسم لاستراتيجيته الأمنية الوطنية الرامية إلي إعادة تشكيل نصف الكرة الغربي، وإنهاء حقبة كاسترو سيعزز إرث ترامب ويحقق ما فشل الرئيس جون إف. كينيدي في تحقيقه خلال ستينيات القرن الماضي.

وحسب المصادر، قد يكون من الصعب تكرار ما حدث مع فنزويلا في كوبا، فبينما تتمتع فنزويلا بحركة معارضة، وشهدت احتجاجات وانتخابات متكررة في السابق، فإن كوبا دولة ستالينية ذات نظام حزب واحد، تحظر المعارضة السياسية، وتكاد تنعدم فيها منظمات المجتمع المدني.

ويقول ريكاردو زونيجا، المسئول السابق في إدارة أوباما، والذي ساعد في التفاوض علي الانفراجة قصيرة الأجل بين الولايات المتحدة وكوبا من عام 2014 إلي عام 2017: «هؤلاء الرجال أكثر صعوبة في التغلب عليهم. لا يوجد أحد قد يميل إلي العمل مع الجانب الأمريكي».

وعلي مدار تاريخه، الذي يمتد لما يقرب من 70 عامًا، لم يكن النظام الكوبي مستعدًا قط للتفاوض بشأن إجراء تغييرات في نظامه السياسي، ولم ينفذ سوي تغييرات اقتصادية متقطعة وبسيطة.

وذكرت «وول ستريت جورنال»، أن حكومة كوبا لا تزال يهيمن عليها راؤول كاسترو، البالغ من العمر 94 عامًا، وهو الشقيق الأصغر لفيدل، بينما يدير الرئيس ميجيل دياز كانيل، البالغ من العمر 65 عامًا، الشئون اليومية. وهو ما سيدفع الولايات المتحدة للبحث عن خطة واضحة لما سيحدث لاحقاً، ومن يمكنه أن يخلف النظام الحالي، بحسب المصادر.

وقال مسئول أمريكي للصحيفة، إن الإجراءات الأمريكية قد تفسر، علي أنها تصعيد للضغط، مع الإشارة في الوقت نفسه إلي أن البيت الأبيض منفتح علي التفاوض لإيجاد مخرج.

وأوضحت المصادر التي تحدثت للصحيفة، أن الإدارة الأمريكية تبحث عن شخصيات في الحكومة الكوبية يمكنها المساعدة في إبرام صفقة لإنهاء السيطرة الشيوعية. وقال مسئول أمريكي إن إدارة ترامب ركزت، خلال اجتماعات مع منفيين كوبيين وجماعات مدنية، في ميامي وواشنطن، علي تحديد شخصية ما داخل حكومة كوبا الحالية، قد تتعاون في هذا المسعي.

بينما كشف مسئولون أمريكيون رفيعو المستوي أن واشنطن، تعتزم إضعاف النظام في هافانا من خلال قطع إمدادات النفط، الذي يشكل شريان الحياة لكوبا.
وتستهدف الإدارة الأمريكية كذلك البعثات الطبية الكوبية في الخارج، التي تُعدّ أهم مصدر للعملة الصعبة لهافانا، وذلك من خلال إجراءات من بينها فرض حظر علي التأشيرات يستهدف مسئولين كوبيين وأجانب متهمين بتسهيل هذا البرنامج.

في السياق ذاته، كشفت صحيفة «بوليتيكو» أن إدارة ترامب، في إطار بحثها عن تكتيكات جديدة لدفع تغيير النظام في كوبا، تدرس فرض حصار بحري عليها لوقف واردات النفط، وفق ثلاثة أشخاص مطلعين علي المناقشات داخل الإدارة الأمريكية.

في حين نقلت الصحيفة الأمريكية عن دبلوماسي أوروبي قوله «إنهم لا يحتاجون إلي زوارق حربية، يبدو أن الضغط وحده كافٍ لمنع أي شخص من إرسال النفط».

وعن مدي إمكانية صمود النظام الكوبي، قالت صحيفة «الجارديان» البريطانية في تقرير لها، إنه علي الرغم من رد الحكومة الكوبية علي التصعيد الأمريكي بنشر مقاطع فيديو لجنود يدربون المواطنين علي صد أي غزو، إلا أن قادة كوبا لا يوجد أمامهم خيارات كثيرة، حيث تظهر أرقام حكومتهم، انخفاض ال اقتصاد بنسبة 11% بين عامي 2019 و2024، وبنسبة 5% أخري حتي سبتمبر 2025. وقد أدي التضخم الجامح إلي إفقار أصحاب الأجور الحكومية أو المعاشات التقاعدية.

وأوضح مركز أبحاث «تشاتام هاوس»، في تقرير تحليلي علي موقعه الإلكتروني، أن تفتيت القوات المسلحة والأمنية الكوبية لن يكون بالسهولة التي قد بدا عليها بالنسبة لقطاع الأمن الفنزويلي المتصدع والفاسد، فالقوات الكوبية أكثر انضباطًا وتماسكًا. وهذا يعني أن أي محاولة اختطاف أخري في كوبا علي غرار ما حدث مع مادورو، في ظل نظام أقوي بكثير وأكثر يقظة الآن، ستكون علي الأرجح كارثية.

وذكر التقرير أن أحد الاحتمالات هو استهداف مواقع بنية تحتية محددة - كالمنشآت العسكرية أو الموانئ مثلاً- بضربات محدودة، لكن من الصعب تحديد ما ستحققه هذه الضربات.

ويضيف أنه بإمكان الولايات المتحدة تشديد الحظر المفروض حالياً علي القطاع المالي والتحويلات المالية في كوبا، وفرض عقوبات شخصية أكثر استهدافاً علي أعضاء الحكومة والجيش الكوبيين.

وتابع أن الأمل في واشنطن يكمن في أن يكون قطع إمدادات النفط كافياً لإحداث انهيار مالي وإثارة احتجاجات شعبية تُطيح بالنظام، عندها قد يتدخل الجيش الأمريكي، مُوجّهاً ضرباتٍ لأي وحدات أمنية تُحاول قمع الاضطرابات.

لكن التقرير حذر في الوقت نفسه من أن واشنطن ينبغي عليها أن تتجنب إثارة الفوضي، أو حدوث تدفقات جديدة للاجئين علي متن قوارب بدائية إلي الولايات المتحدة.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان