شهدت جامعة عين شمس فعاليات اليوم الأول للمؤتمر الدولى الثالث عشر لمركز الدراسات البردية والنقوش، تحت عنوان "النقوش والكتابات والشارات على المنشأت المعمارية عبر العصور"، والذى أستضافته كلية الأثار بمقر الجامعة وتستمر جلساته على مدار يومين، وشهد حضور العديد من العلماء والباحثين ووزراء الأثار السابقين من مصر والعالم.
وفى كلمته بالجلسة الأفتتاحية للمؤتمر رحب الدكتور حسام طنطاوى عميد كلية الأثار بالجامعة، بضيوف المؤتمر، وأكد أن المؤتمر ثمرة تعاون بين مؤسسات التعليم العالى والجهات الحكومية ممثلة فى المجلس الأعلى للأثار، والقطاع الخاص وتمثلها الشركات الراعية، حيث تقدم مشاركات الباحثين بالمؤتمر أفكاراً متعددة لأستدامة التراث، وتجارب لتعاون دولى فى الحفاظ على النقوش وتوثيقها وأعداد قواعد البيانات لها، ويبرز دور التكنولوجيا والأبتكار فى هذا المجال.

مرآة للفكر
وأشار طنطاوى إلى أن المنشأت المعمارية جزء من التراث، وأضاف أننا لا نجتمع لدراسة حروف معينة ونقوش مجهولة، بل لنحيى ذاكرة أمة، ونفك رموزاً تحمل فى طياتها ابداع الإنسان، ومعارفة وفلسفته فى الحياة والموت، والتى خلدها فى وثائق حية لا تكذب، فالكتابات والنقوش ليست مجرد رموز محفورة على الحجر، بل مرآة للفكر، وعنوان للثقافة وشهادة حية على التطور البشرى، مما يجعل المؤتمر منصة حوارية ضرورية تهدف إلى توثيق التراث الثقافى واستعراض التطورات العلمية الحديثة فى فك رموزة واعادة تأهيلة وتوظيفة من خلال 6 جلسات يتحدث خلالها 59 متحدثاً من مختلف التخصصات ما بين المتاحف والترميم والحفائر والعصور المصرية القديمة والعصر اليونانى والرومانى والأسلامى.
ووجه طنطاوى الشكر للدكتور محمد ضياء زين العابدين رئيس الجامعة على رعايته للمؤتمر والكلية، وللدكتورة غادة فاروق نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع على أفتتاحها اعمال المؤتمر، ودعمها الدائم للكلية من أجل تحقيق أهدافها، وللدكتور هشام الليثى المكلف بأعمال الأمين العام للمجلس الأعلى للأثار والذى شهد الأفتتاح، والدكاترة محمد ابراهيم على وممدوح الدماطى، وزيرى الأثار السابقين اللذين حضرا الجلسة الأفتتاحية، والدكتور حسن سليم استاذ الأثار المصرية بالكلية الذى بذل مجهود كبير فى الاعداد للجلسة الأفتتاحية، وكل المشاركين فى الاعداد للمؤتمر واعضاء اللجان المختلفة.
وفى الجلسة الأولى للمؤتمر، ألقت الدكتورة دينا أبراهيم بحث بعنوان "رمزية ومغزى القرون على المنشأت المعمارية فى العمارة المصرية القديمة" ، حيث أشارت إلى أن قرون الحيوانات كانت ترمز فى مصر القديمة إلى القوة والتجدد والاستمرار، وتشير إلى مكانة زعيم القبيلة السياسية وشرعية الحكم والخصوبة، حيث أن المصرى القديم كان يقدس القوة التى بداخل هذا الكائن، فالبقرة حتحور كانت تعبر عن القوة المولدة والمرتبطة بقرونها، وأضافت ان القرون ظهرت فى أقدم النصوص فى اللغة المصرية القديمة فى اثار حضارة الفيوم وفى نقادة 2 ، 3 ، وفى العصر العتيق بداية من الأسرتان الاولى والثانية.
فى حين ألقت الدكتورة هالة مصطفى بحثاً عن "الباب الوهمى الخاص بنثر نفر" والموجود حاليا بالمتحف المصرى، والذى أكتشف فى 1880، والذى تضاربت الانباء عن مكان أكتشافه ففى حين يشير البعض إلى أكتشافه فى سقارة، يؤكد البعض الأخر أن البدو الذين باعو الأثر للمتحف أشاروا إلى إنهم أكتشفوه فى مقابر الأسرة الخامسة فى أبوصير، وأضافت أنه فى كل الأحوال فأن الباب الوهمى كان سمة أساسية للمقابر فى العصور القديمة.
فى حين عقدت الدكتور دينا محسن فى بحثها بالجلسة، مقارنة بين لوحتين جداريتين من منف تعودان لعصر الدولة الحديثة.
اما الدكتور أحمد محمد عوض، الأستاذ بكلية الفنون التطبيقية جامعة بدر، فقد ألقى بحث عن "الدلالات الفلكية والمعمارية" لنص كتاب البقرة السماوية بمقبرة الملك توت عنخ أمون، وربطه برؤية جديدة عن وفاة الملك الشاب.
الترجمة الفورية فى مصر القديمة
وألقى الباحث رأفت خليفة بالدراسات العليا بكلية الأثار بالجامعة بحثاُ عن نقوش المترجمين الفوريين فى مصر القديمة حتى نهاية الدولة الحديثة، حيث أوضح إلى ان الحاجة فى ذلك الوقت للمترجم ظهرت نتيجة لأتصال المصريين بالشعوب المحيطة، وأن المترجم كان يطلق عليه أنذاك "ايعاو"، وأن المترجمين المصريين القدماء كانوا يفتخرون بأنجازتهم فى حل المشاكل بين القبائل الافريقية المتناحرة، مشيراً إلى قصة سينوهى ووصوله إلى لبنان والمراسلات بين حكامها والقصر الملكى فى مصر، وإلى مقبرة توتو مترجم أخناتون فى تل العمارنه.
أما الباحث شريف محمود عبد الستار ، بالدراسات العليا بالكلية، فقد عرض فى بحثه صورة تفصيلية عن معبد الملك رمسيس الأول بأبيدوس، والذى أقامه له أبنه الملك سيتى الاول لأبراز أنجازات والده، مشيراً إلى أن ابيدوس كانت العاصمة الدينية للأقليم الثامن من أقاليم مصر العليا،"أقيم تاور"، موضحاً أن المعبد المكتشف فى 1910 بواسطة الاهالى تم نقله بعد ذلك إلى متحق المتروبوليتيان بنيويورك.
وفى بداية الجلسة الثانية للمؤتمر، والتى ترأستها كلا من الاستاذة الدكتور علية حنفى، استاذ الحضارة اليونانية المتفرغ بكلية الأداب بالجامعة، والدكتورة نهى سالم أستاذ ورئيس قسم الأثار اليونانية والرومانية بكلية الأثار بالجامعة، القت الدكتورة نهى محاضرة بعنوان "الجدار الجنوبى للصرح الأول لمعبد فيله : قراءة فى جرافيتى الحجاج من العصر البطلمى"، حيث اشارت إلى أن معبد فيلة من أشهر المعابد الذى بناه بطليموس الثانى واستمر عدة قرون، وأنه أصبح مركزاً لعبادة الالهة المصرية "أيزيس"، حيث بنى على الطراز المصرى، وحث الأغريق على الحج إليه، بأعتبار أن ايزيس كانت تمثل ألهة الحكمة والعناية، موضحة إلى أن الأغريق قد نظروا إلى أيزيس بأعتبارها ألهة عالمية وليست مصرية فقط.
وأضافت سالم أن المعبد أحتوى على نقوش لتخليد ذكرى الملوك البطالمة، وجرافيتى سجلت الكتابة العفوية لزيارات الحجاج للمعبد، والتضرع من أجل اسرهم وأولادهم وأصدقائهم، والشكر للألهة ايزيس على عنايتها لهم، مشيرة إلى أن المعبد تجاوز كونه منشأة دينية مصرية ليصبح فضاء اجتماعى وثقافى، ووثق البديات الأولى لأندماج اليونانيين فى الطقوس المصرية، كما كشف عن الخلفيات الأجتماعية لزوار المعبد من حكام ومسئولين وقادة وكتاب.. واستعرضت الدكتورة ايمان طه وكيل المتحف اليونانى الرومانى بالإسكندرية ملامح من النقوش المعمارية بالمتحف، حيث أشارت إلى تنوع هذه النقوش، وأنها توثيق للتاريخ والتعبير عن معتقدات الدينية والاساطير وتمجيد عظمة الأباطرة.

وصنفت إيمان النقوش إلى نصية ورسمية (مثل لوحة النصر للوالى الرومانى كورنيليوس والتى تعبر عن النقوش التذكارية السياسية)، ونقوش دينية، مثل نقوش ودائع الاساس والأصدار لمعبد السيرابيوم، وهى 10 لوحات من مواد مختلفة تعبر عن تاريخ بناء المعبد والأله الذى أهدى إليه، وكذلك "النقوش النذرية" لتقديم الشكر والوفاء للألهة، و"نقوش اللجوء" وهى عبارة عن 4 لوحات حجرية يطلب فيها كهنة المعبد من الملك أن يمنح كل من يلجأ للمعبد حق الحماية. وهناك النقوش الإدارية والقانونية، مثل لوحة "تعريفة جمارك قفط"، وهناك النقوش الاجتماعية، والنقوش التعريفية بشخصية ناحت التماثيل أوالفنان، مؤكدة أن النقوش تعتبر مصدرًا مهمًا فى استكمال المعلومات التاريخية عن حياة الإنسان المصري فى العصرين اليونانى والرومانى، وأنظمته الإجتماعية والاقتصادية.
أما الباحثة مارينا جورج إدوارد المعيدة بكلية الأثار جامعة عين شمس، فقد عرضت بحث بعنوان "الانتماء السياسى للجنود من خلال النقوش فى العمارة البطلمية"، حيث أوضحت أن هذه النقوش كانت سجل حى ومرآة سياسية وأجتماعية ودينية للحياة فى هذه الفترة، حيث أستخدم الجدار كأرشيف والمنشأة كوسيط، وجمعت بين هيبة الألهة واللمسات الإنسانية، وتحولت الجدران إلى سجل أقترن فيه أسماء الجنود بأسماء الملوك والملكات، وأبرزت ولاء وإهداء الفرسان المعابد للملك وكانت بمثابة إعلان للولاء السياسى وإثبات الشرعية فأصبحت بمثابة وثائق رسمية.

وعرضت الدكتورة هويدا محمود من وزارة السياحة والآثار المصرية بحث مقارنة بين العمارة فى الشرق والغرب عن تداخل الرموز الهندية داخل البنية المعمارية الكلاسيكية اليونانية والرومانية.
نقوش الاختصارات
أما الباحثة نورهان تامر بكلية الأثار جامعة القاهرة، فقد استعرضت نقوش الاختصارات على المنشأت والعملات الرومانية من خلال دراسة تحليلية مقارنة منذ نشأة الأمبراطورية، مشيرة إلى أن الكتابة والتلوين كانت وسيلة الشعوب الأولى للتعبير عن مشاعرها وتوصيل رسالتها للأجيال القادمة.
وتطرقت تامر إلى تطور الكتابة على العملات بداية من كتابة الاسم واللقب والوظيفة بالكامل إلى أسلوب الأختصار لأسم مسئول صك العملة، ثم أختصار لأسم الأمبراطور فى ذلك الوقت، كما عرضت صور لأهم الأختصارات التى وضعت على المنشأت والمعابد الرومانية والجسور، حيث كان يوضع اسم من أقام الجسر واسم عائلته ووظيفته ، والقنصل الموجود فى ذلك الوقت، كل هذا باختصار فى الكتابة.
وأوضحت تامر أن هذا الأسلوب استخدم ايضاً فى كتابة النصب الجنائزية التى إحتوت على اسم المتوفى ووظيفته، وأشارت إلى مسلة فلامينيو والتى أهدى فيها الأمبراطور أغسطس المسلة كهدية للألهه لنجاحه فى ضم مصر للأمبراطورية، موضحة أن الأسماء المختصرة على المبانى فى ذلك الوقت كانت للفت النظر إلى المنشأة.
رقمنة النقوش
وأستعرض الدكتور أحمد منصور مدير مركز الخطوط بمكتبة الإسكندرية، المشروعات الرقمية فى توثيق ودراسة النقوش الأثرية والتى قامت بها المكتبة، مشيراً إلى سعى المكتبة أن تكون مؤسسة رائدة فى العصر الرقمى، مشدداً على ان الذاكرة الرقمية لا تندثر ولا تتعرض لمخاطر الكوارث الطبيعية أو الحروب والحرائق وخلافة.
وعرض أهم مواقع رقمنة التراث منها معرض قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمكتبة الإسكندرية لتوثيق النقوش، ومركز دراسة الخطوط الذى افتتح سنة 2003 لعمل مكتبة رقمية للنقوش، وانجز العمل فيه سنة 2009، وكذلك موقع الهيروغليفية خطوة بخطوة والذى أنشأ فى 2016، وهو عبارة عن نافذة تعليمية لتعليم الهيروغليفية ويحتوى على قاموس للغة، وموقع بيلوجرافيا النقوش العربية والإسلامية والذى يضم كتب ورسائل مرقمنة.
وأشار منصور إلى أن المكتبة الرقمية للنقوش والخطوط بمكتبة الإسكندرية قد ساعدت السوريين فى استعادة النقوش التى تدمرت بسبب الحرب، موجهاً رسالته بأهمية الرقمنة لحفظ التراث والنقوش.

أما الجلسة الثالثة للمؤتمر فقد ترأسها الأستاذ الدكتور طارق منصور استاذ التاريخ البيزنطى بكلية الإداب جامعة عين شمس، والدكتورة شروق عاشور رئيس قسم الإرشاد ووكيل المعهد العالى للدراسات النوعية بأكاديمية المستقبل، والتى عرضت بحث عن الكتابات العربية على اللوحات الفنية المسيحية.
واستعرضت عاشور نماذج لكتابات عربية على الايقونات القبطية خلال حقب التاريخ المختلفة، مثل الكتابات على حجاب كنيسة أبو سيفين الأثرية بمصر القديمة، والكتابات على المقصورات فى كنيسة العذراء المغيثة بحارة الروم، وكذلك ايقونات العذراء بالكنيسة المعلقة، مشيرة ان الكتابات كانت تحتوى على تعريف بالصورة وتاريخ رسامتها والفنان القائم بالرسم ويقابلها الترجمة باللغة القبطية.
وقدمت الدكتورة أمنية صلاح بمعهد البحوث والدراسات القبطية بكلية الأداب جامعة الأسكندرية بحث عن الموضوعات الزخرفية على جدران الدير الأحمر الأثرى بسوهاج، حيث اوضحت أن هذا الدير كان أحد أضلاع مثلث الأتحاد الشنودى الذى بناه الانبا شنودة رئيس المتوحدين، ويعتبر متحف مفتوح برع الفنان القبطى فى زخرفة لوحاته الجدارية بالزخارف النباتية والحيوانية والهندسية بوفرة وبشكل متباين ومتنوع، حيث عرضت لنماذج الزخارف والرسوم والنقوش التى زينت بها جداريات الدير.
أما الدكتورة سلفانا جورج بمعهد البحوث والدراسات القبطية بجامعة الأسكندرية، فقد عرضت بحث عن "فلسفة تصوير اللحية لشخصيات العهد الجديد" ، حيث أشارت إلى أن الفنان القبطى استوحى فكرة رسوماته من الكتاب المقدس وسير القديسين والطقوس الدينية، حيث عمل على تحويل كل ما هو مكتوب فى الكتاب المقدس إلى صور مرئية. حيث عرضت صور للمسيح وتلاميذة والقديسين باللحية مشيرة إلى ظهور اللحية فى الصور الدينية الخاصة بالمسيح كان منذ القرن الرابع الميلادى.
ومن لبنان عرضت الدكتورة جوليت الراسى الحاصلة على دكتوراه فى الأثار والفنون القبطية مداخلة عن طريق الأونلاين عن النقوش العربية على حائط كنيسة مريم بدمشق.
وفى ختام الجلسة عرض الباحث أحمد أبراهيم بكلية الأثار جامعة القاهرة بحث عن "الكتابات القبطية على الأوستراكا بوصفها مصادر لتوثيق المنشأت الدينية" حيث أشار إلى أن المنشأت الدينية فى ذلك الوقت فى القرن السابع والثامن الميلادى لم تكن تستخدم فقط كأماكن عبادة بل أيضًا كمؤسسات حضارية وإدارية، وكمركز توثيق محلى كجزء من المركز الرئيسى، وكمعلم حدودى، مستشهداً بوثائق تاريخية للتوثيق خاصة بدير فويبامون ودير القديس فيلوئيوس وكنيسة جيمة.