في زمن أصبحت فيه الشاشات جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، تحوّلت الألعاب الإلكترونية من وسيلة ترفيه بريئة إلى مصدر قلق متزايد لدى كثير من الأسر.
فبين ضغطة زر ونقطة فوز، قد ينزلق الطفل تدريجيًا إلى عالم افتراضي يسرق وقته وطاقته، ويؤثر على صحته النفسية والسلوكية، دون أن تنتبه الأسرة إلا بعد تفاقم المشكلة.
توضح الدكتورة ميرفت رجب، استشارية الطب النفسي، أن إدمان الألعاب الإلكترونية يُعد اضطرابًا سلوكيًا يفقد فيه الطفل القدرة على التحكم في وقت اللعب، لتصبح الألعاب أولوية تتقدّم على الدراسة، والنوم، والعلاقات الأسرية والاجتماعية. وتشير إلى أن الطفل المدمن غالبًا ما يُظهر غضبًا أو توترًا شديدًا عند منعه من اللعب، وقد يلجأ إلى الكذب أو التحايل للحصول على وقت أطول أمام الشاشة.
وتؤكد أن هذا السلوك يختلف جذريًا عن حب الألعاب الطبيعي، إذ ينعكس بشكل مباشر على الروتين اليومي للطفل، ويؤثر سلبًا في صحته النفسية والجسدية، ما يستدعي تدخلًا مبكرًا من الأسرة والمتخصصين قبل تفاقم الآثار.
أسباب إدمان الألعاب الإلكترونية
ترجع ظاهرة الإدمان إلى تداخل عدة عوامل، من أبرزها الهروب من الضغوط الدراسية أو المشكلات الأسرية، والشعور بالإنجاز السريع الذي تمنحه الألعاب عبر المكافآت الفورية، إلى جانب التأثير الاجتماعي وتقليد الأصدقاء، فضلًا عن تصميم بعض الألعاب القائم على أنظمة تحفيز تجعل التوقف عنها صعبًا. كما يسهم غياب البدائل الترفيهية والرياضية الواقعية في تعميق المشكلة.
التأثيرات النفسية والسلوكية
قد يخلّف الإدمان آثارًا نفسية وسلوكية متعددة، منها العزلة الاجتماعية وتراجع مهارات التواصل، وانخفاض التحصيل الدراسي، وتقلبات المزاج والعصبية، واضطرابات النوم نتيجة السهر الطويل، إضافة إلى القلق والتوتر والاعتماد النفسي على الألعاب كمصدر وحيد للمتعة والإنجاز.
وتحذّر الدكتورة ميرفت من أن الطفل المدمن يعيش تدريجيًا داخل عالم افتراضي يعوّضه عن الواقع، ما يضعف قدرته على التفاعل الاجتماعي وضبط الانفعالات، وقد يقوده إلى القلق أو الاكتئاب واضطرابات السلوك إذا لم يتم التدخل في الوقت المناسب.
ومن جانبه، يشير الدكتور أحمد سامي، أخصائي الإرشاد الأسري والتربوي، إلى أن مواجهة إدمان الألعاب الإلكترونية لا يجب أن تقتصر على المنع فقط، موضحًا أن العلاج الحقيقي يبدأ ببناء علاقة حوارية آمنة مع الطفل، وفهم احتياجاته النفسية، وتوفير بدائل جذابة تُشبع احتياجاته العاطفية والاجتماعية، مع وضع حدود واضحة وثابتة لاستخدام الشاشات.
نصائح للوقاية والحد من الإدمان
ينصح المتخصصون بتحديد أوقات يومية ثابتة ومحدودة للعب، ومتابعة نوعية الألعاب ومدى ملاءمتها لعمر الطفل، وتشجيعه على ممارسة الرياضة والهوايات الإبداعية، مع تعزيز الحوار المفتوح حول مخاطر الإفراط في استخدام الشاشات، وتجنّب استخدام الألعاب كوسيلة للمكافأة أو العقاب، إلى جانب التعاون مع المدرسة أو اللجوء إلى مختص نفسي عند ظهور علامات الإدمان المبكرة.